خالد غنام أبو عدنان : لا يمكننا أن نقول أننا لم نعرف
التاريخ: السبت 14 مارس 2020
الموضوع: قضايا وآراء


https://scontent.fmad8-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/p720x720/89506594_1553080834833271_3118559479994515456_o.jpg?_nc_cat=103&_nc_sid=ca434c&_nc_ohc=Rasw9lHSdB8AX-JEG2v&_nc_ht=scontent.fmad8-1.fna&_nc_tp=6&oh=ec2e78708b12009ebe37c6baf3e8a2f6&oe=5E92A015
لا يمكننا أن نقول أننا لم نعرف 
قراءة نقدية لكتاب الصحافية الاسترالية صوفي ماكنيل

 بقلم خالد غنام أبو عدنان


لا يمكننا أن نقول أننا لم نعرف 
قراءة نقدية لكتاب الصحافية الاسترالية صوفي ماكنيل بقلم خالد غنام أبو عدنان

أن تقرأ أخبار الشرق الأوسط من الوسائل الإعلام الاسترالية أمر غير ممتع لأغلب الجالية العربية التي تعيش في استراليا، حيث أن الإعلام الاسترالي بغالبيته العظمى يناصر اليمين المتطرف في إسرائيل، وينظر للعرب على أنهم شعب همجي متخلف ولا يُحكم إلا بالحديد والنار. 

من جانب آخر هناك تربية وطنية عالية في بناء ولاء المواطن للدولة الاسترالية وهي عملية غسيل دماغ تجعل الاسترالي يتوجس من كل ما هو غير استرالي أو غير متوافق مع القيم الانجليزية الأميركية، فلا تسأل لماذا لا يثقون بالروس أو الصينيون ولماذا يعادون اليابانيون أو الأتراك؟ لا تسأل لماذا إسرائيل أولاً وأن أصعب صداقة ممكن أن تكون مع اندونيسيا؟ 

هذه الثقافة السائدة من القيم المجتمعية تجعل العمل الإعلامي له توجه مرسوم، يتم تعليمه في الجامعات وتلقينه للمجتمع في وسائل الإعلام، إنها الثقافة الغربية الأميركية بكل عنصريتها، التي تُرَوج إلى أن باقي دول العالم - شعوب وحكومات- هم عدوانيون ولا يمكن الوثوق بهم، إنها فزاعة الخوف من الآخر التي تطرحها الأحزاب الليبرالية، فلا يوجد أمان إلا بالحاضن الوطني الفاشي، وعلى الشعب أن يغفر للسياسيين هفواتهم لأنهم يحموهم من الأخطار الخارجية، لكن الحقيقة أن كل هذا كذب ولا يتوافق مع قيم التعايش السلمي بين الثقافات ولا مع سياسة العولمة وانفتاح الأسواق، مما يعني أن تناقض ظاهر لكل مواطن يعيش في تلك البلاد ويشاهد أن السياسيين يخدعونه وأن الخوف الحقيقي يبقى من الإعلام المضلل. 

صوفي ماكنيل وُصِفت أنها إعلامية مشاكسة تبحث عن الشهرة، وأنها اشتراكية فوضوية، وأنها تُعادي كل حكومات العالم، وأنها جاسوسة لتخدم أعداء الوطن! وهذا كله كذب وهراء ولا يمكن تصديقه، فهي إعلامية متميزة لها تاريخ مهني كبير لا يمكن أن يقلل أهميته أي سياسي أو إعلامي، وهي لا تسعى للعب دور البطولة، فهي كانت مشاركة نشطة في حرب تحرير تيمور الشرقية ولها سجالات كبرى في الإعلام الاسترالي، ولهذا تم اختيارها لتغطية الأخبار الدولية الساخنة، خاصة في الشرق الأوسط، من قبل محطة SBS ثم محطة ABC وهذا يعني أنها تعمل مع الشبكات الإعلامية الكبرى في استراليا ولا يمكن أن تكون إلا محترفة ومهنية. 

صوفي ماكنيل يعرفها العالم بصورها مع عهد التميمي ورهف السعودية، وهي تنقل أخبار حرب اليمن من قواعد الحوثيين وأخبار خرب سوريا من مناطق الجيش الحر. تقريرها المصورة تطعن التعتيم الإعلامي مهما كان هدفه، فهي ترفض أن تصادر الحقيقة من قبل السياسيين مهما كانت أهدافهم نبيلة، وهي لا تقول أن الحروب بين السياسيين تعني قتل المدنيين، فلا حماية للمدنيين ولا حقوق لهم ولا قيمة لهم كبشر، فهم دائماً يقتلون لمجرد أنهم يمتلكون وجهة نظر سياسية مغايرة. 

وفي أشهر تقاريرها عن وضع مرضى السرطان وخاصة الأطفال الفلسطينيون في قطاع غزة، قدّمت دلائل إدانة ضد كل المنظومة السياسية الإسرائيلية والفلسطينية، فقد تم تعريض حياة أطفال صغار للموت وعدم السماح لهم بتلقي العلاج في القدس أو بيت لحم، وذلك لأسباب تتعلق بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة؟ وهي طرحت سؤال خطير لكل من السلطة الفلسطينية في رام الله وحكومة حماس في غزة وكذلك للحكومة الإسرائيلية ما ذنب الأطفال الصغار الذين يريدون تلقي علاج لمرض خطير مثل السرطان. كانت نارية في هجومها على إسرائيل مما أفزع اللوبي الصهيوني في استراليا وكتبوا مقالات إدانة لها وكذلك رفع قرار للبرلمان بعدم بث تقاريرها لكنها نجحت باستمرار بث تقاريرها وتم تقديم اعتذار رسمي لها من حزب العمال الاسترالي. 

عادة ما نسمع صوت صوفي ماكنيل ونشاهد عروض حية لمعارك النزاع، فهي ليست مغرمة بالظهور على الشاشة بقدر عشقها لتحقيق تغطية إعلامية صادقة وحقيقية، كانت حزينة وهي تتحدث مع رهف السعودية في مطار بانكوك لأنها لم تستطع أن تساعدها في الحصول على حق اللجوء لاستراليا، إلا أن رهف تأكد أن صوفي من حول قضيتها من مسألة تخصها شخصياً لقضية تتعامل مع قضايا حقوق الانسان في دول الخليج العربي، وبنفس المنوال عرضت قضية الناشط الإماراتي أحمد منصور بأسلوب لا يعادي دول الخليج بقدر ما يطالبها بضرورة الانفتاح السياسي وتقبل وجود معارضة داخلية، وأن هذه المعارضة لن تكون عميلة لأعداء الوطن. 

لعل أهم تقاريرها الميدانية كانت تستند لشبكة معلومات من نشطاء الثورة السورية، لذا اختارت أن يكون حفل توقيع كتابها في شهر آذار كعربون وفاء لنشطاء الثورة السورية والاحتفال معهم بالذكرى التاسعة لانطلاقة الثورة السورية بطريقة محترفة، فهي تعرض في طيات كتابها قصص شجعان الشعب السوري، الذين ثاروا من أجل حلم تغيير أفضل لبلادهم، نشطاء رفضوا القمع الدموي لجيش النظام وهم كذلك ضد المتاجرة بدماء الشعب السوري من أجل إرضاء دول تعادي النظام السوري، نشطاء حققوا القليل من الانتصارات على أرض الواقع لكنهم استطاعوا أن يغيروا الواقع للأبد، لقد انتقلت سوريا لمرحلة جديدة لم تتشكل بعد. 

الإنسان يصنع الوطن هي بطاقة معايدة ترسمها صوفي ماكنيل بصفحات كتابها، تريد أن نقرأ عشرين قصة واقعية لشجعان عرب حققوا لبلادهم انتصارات صغيرة لن يشعر بأهميتها السياسيون بسرعة، لكنها ترسم صورة المستقبل الزاهر، فلن يموت مرضى السرطان لأنهم يعيشون في قطاع غزة ولن يسمح لجندي إسرائيلي أن يتسلل لبيت عهد التميمي ليقصف مظاهرات الشباب الفلسطيني، الشباب يحق له أن يتكلم ويطالب في حقوقه وأن يختار شكل الحكم الذي يريده في اليمن وسوريا وفلسطين والعراق وكل بلاد العالم، لابد أن تمنح لهم الحرية في اختيار مستقبلهم وإلا تكون كلمة افتتاحية الكتاب للشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زياد الذي وجه رسالة إلى الإسرائيليين قائلا:
يا سادتي… حولتموا بلادنا مقابر..
زرعتم الرصاص في رؤوسنا، نظمتم المجازر..
يا سادتي… لا شيء هكذا يمر..
ودونما حساب..
فكل ما صنعتم لشعبنا..
مسجل على دفاتر.






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=48021