شادي ابو عرقوب : شماعة الفساد لتشويش عقول العباد
التاريخ: الأثنين 08 يوليو 2019
الموضوع: قضايا وآراء


شماعة الفساد لتشويش عقول العباد
بقلم: شادي ابو عرقوب


شماعة الفساد لتشويش عقول العباد
بقلم: شادي ابو عرقوب
تشهد الساحة الفلسطينية اليوم حديثا متزايدا عن الفساد المالي والإداري في مؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية بالتزامن مع الازمة المالية التي تمر بها بسبب ثباتها وتمسكها بحقوق ابناء شعبنا ورفضها المطلق لما طرحته الادارة الامريكية لما يُعرف (بصفقة القرن) التي لا تلبي الحد الادنى من حقوقنا الوطنية, ومعارضتها المساس بمستحقات اسر الشهداء والاسرى والجرحى, اذ تحاول بعض الجهات تصوير مؤسسات السلطة وهيئاتها على انها ليست الا وسيلة لانتفاع بعض الاشخاص وجنيهم الاموال من خلالها, وان رموزها ليسوا الا فسدة منتفعين من مراكزهم لا يهمهم الا جباية الاموال لأرصدتهم الشخصية, فشهدنا بالفترة الاخيرة بروز حملات اعلامية منظمة من خلال عشرات وسائل الاعلام والصفحات الممولة على وسائل التواصل الاجتماعي غرضها الوصول الى داخل كل بيت فلسطيني للنيل من كل قيادي بارز على الساحة الفلسطينية ومحاولة اغتياله معنويا وتحطيمه نفسيا عن طريق فبركة وتزوير الاخبار والتقارير او المبالغة في طرح ما جاء في متنها, لإثارة حالة من البلبلة في داخل المجتمع الفلسطيني وعدم الثقة بين عامة الشعب والقيادة.
ولا ننكر ان بعضهم نجح في غايته واصبح موثوق الجانب عند الكثير من البسطاء من العامة مستغلا ما نعانيه من سوء للوضع الاقتصادي في هذه الظروف التي نعيشها., لكن لو تريثنا قليلا وتتبعنا بداية نشأة هذه الحملات في عهد الرئيس ابو مازن لوجدنا ان بداياتها تزامن مع قرار القيادة الفلسطينية (تدويل) الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعد فشل سنين من التفاوض العبثي مع الاحتلال الرافض للاعتراف بحقنا بتقرير المصير واقامة دولة فلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية, فبداية الحديث عن الفساد تزامن مع ذهاب السيد الرئيس الى مجلس الامن لأول مرة عام 2012م للمطالبة باعتراف دولي بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران, اذ لم تُرضي هذه الخطوة اي جهة دولية او اقليمية او حتى عربية, بما تمثله من احراج للإدارة الامريكية وغيرها من الدول التي تدعم (ظاهريا) التوصل الى اتفاق شامل يضمن حقوق الطرفين, فتصاعدت من وقتها العديد من الاصوات التي تنادي بمدى فساد السلطة وتسلق وانتفاع رجالاتها على حساب العامة, بالتزامن مع تقليص الدعم الامريكي والدولي شيئا فشيئا عنها بذريعة عدم تعاونها في سبيل تحقيق السلام بالمنطقة ورفضها للتفاوض مع الاحتلال.
ولو بحثنا عن الاشخاص القائمين على هذه الحملات لوجدنا ان معظمهم رجال اعمال - غير معروف مصدر ثرائهم - مقيمين في امريكا او غيرها من الدول وعلاقاتهم مفتوحة مع الجهات الرسمية في الدول التي يقيمون بها - كما بينت العديد من التقارير الاعلامية الموثوقة المصدر- , والمتتبع لمنشوراتهم والقارئ لما بين السطور يجد انهم يتعمدون في كثير من الاحيان استهداف اشخاص دون اخرين وتسليط الضوء على فلان دون غيره ويقومون في كثير من الاحيان بطرح انفسهم بشكل ضمني كبديل عن القيادة الفلسطينية لاستلام زمام الامور بداعي انهم لن يبقوا من (هؤلاء الفسدة ) احدا وان تعثر العملية السياسية وسوء الوضع الاقتصادي في الاراضي الفلسطينية سببه الوحيد فساد هؤلاء القادة وانتفاعهم (كما يزعمون).
وشماعة الفساد تاريخ طويل لمن يخرج عن السرب الامريكي, فبعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق عقب انتهاء حرب الخليج الثانية بدأت وسائل الاعلام الغربية والمعارضة العراقية في حينه بتوظيف ملايين الدولارات على الحملات الاعلامية التي تروج لمدى فساد واستبداد وديكتاتورية النظام البعثي العراقي وان امريكا وحلفائها يسعون لتحرير العراقيين من اجل ايجاد نظام ديموقراطي تعددي يراعي حقوق الانسان بعيدا عن ما سموه (ديكتاتورية واستبداد) النظام الذي ارهق شعبه في حروب ضروس استنزفت خيراتهم ومقدراتهم, اذ سيعيشون في واحة من الديموقراطية والعدالة الاجتماعية ورغد العيش بعد زواله, وها هم العراقيون يتنعمون اليوم ببركات الديموقراطية الامريكية وترفها, اذ يعتبر العراق اليوم من اكثر الدول فسادا وتهلهلا وانفلات واقلها امنا واستقرارا, فرغم تجاوز ميزانيته السنوية حاجز الثمانين مليار دولار الا ان العديد من المنظمات الدولية تصنفه في خانة (الدول الفاشلة) بسبب نخر الفساد لمؤسسات الدولة الادارية والعسكرية, وقس على ذلك ما حدث في مصر وليبيا وغيرها من الدول.
وبدورنا لا ننكر وجود الفساد في مؤسساتنا اذ لا تخلوا اي دولة في العالم من الفساد ومحاولات استغلال المناصب والتعسف في استعمالها, ولا ندافع عن اي تجاوز من شانه مخالفة القوانين او التشريعات, ونشد على كل من يسعى لمحاربته بعيدا عن أي ايعاز او تمويل من دول او منظمات خارجية, فالفرق شاسع بين من يسعى لمحاربة الفساد في سبيل احقاق الحق وبسط العدالة الاجتماعية وتعزيز الشفافية في مؤسساتنا ومن يأخذه ذريعة لإثارة البلابل وتأجيج الفتن وهدم المجتمعات من الداخل, ولو نظرنا حولنا سنجد الكثير من الدول في منطقة الشرق الاوسط تتجاوزنا فسادا بمراحل وكثيرا منها يُعتبر الحكم فيها مطلقا لشخص دون غيره اذ لا يوجد فيها دساتير او مؤسسات – بالمعنى الحقيقي لها - , ومع ذلك لم نشهد اي انتقاد للقائمين عليها او حتى مجرد لفت نظر لأدائهم البعيد عن اي قانون او تشريع, ولا عجب في ذلك طالما بقيوا يغردوا في داخل السرب الامريكي ويأكل الامريكان من تمرهم ولا يعصوا لهم امرا, فاتضح جليا ان شعار مكافحة الفساد الذي ترفعه امريكا ومن في صفها ليس الا اداة ضغط على الدول والانظمة التي تغرد في خارج السرب وتتبع سياسات غير متماشية مع الخط الامريكي سعياً لهدمها من الداخل, وفي الختام لا بد من ضرورة الالتفاف حول القيادة الفلسطينية التي تشن عليها اليوم حملات شرسة لمجرد قولها لكلمة (لا) في وجه كل من يحاول فرض حلول منقوصة علينا او الاستخفاف بتضحيات وحقوق ابناء شعبنا الساعي لنيل حريته واستقلاله.








أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=45675