معتصم حمادة : سؤال إلى صائب عريقات
التاريخ: الثلاثاء 07 يونيو 2011
الموضوع: قضايا وآراء


سؤال إلى صائب عريقات

معتصم حمادة
هل كان خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأميركي يستحق كل هذا الترقب؟ وهل كان هناك من راهن على تغيير ما في الموقف الإسرائيلي الرسمي من التسوية في المنطقة؟


سؤال إلى صائب عريقات

معتصم حمادة
هل كان خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأميركي يستحق كل هذا الترقب؟ وهل كان هناك من راهن على تغيير ما في الموقف الإسرائيلي الرسمي من التسوية في المنطقة؟
لا يهدف هذا السؤال إلى التقليل من أهمية ما قاله نتنياهو، خاصة تصوره للحل مع الجانب الفلسطيني، إذ ما ورد في خطابه خطير، وإن كان، في سياقه العام يشكل تكراراً لما جاء في خطابه في بارإيلان، كأساس لبرنامجه السياسي للحل في المنطقة.
أهمية هذا السؤال هو في محاكمة ردود الفعل على الخطاب، والمواقف الواجب اتخاذها على الصعيدين الفلسطيني والعربي.
صائب عريقات، الرئيس المستقيل للفريق الفلسطيني المفاوض، عبر بمرارة عن خيبة أمله، واعترف -أخيراً- أنه ليس هناك شريك إسرائيلي في العملية التفاوضية. وعلى أهمية ما قاله عريقات، إلا أنه يبدو كمن يقف في منتصف الطريق، ولم يحسم أمره، في أي اتجاه سوف يسير بعد هذا التصريح. هل يقف في مكانه منتظراً "ولادة" هذا الشريك المزعوم. أم يتخذ القرار المناسب، بما يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية، دون اعتبار لتطور الحالة في الجانب الإسرائيلي، وبحيث تكون أجندته السياسية فلسطينية دون الرضوخ للضغوط الخارجية، التي تضع في حساباتها المصلحة الفلسطينية في آخر جدول اهتماماتها، وتتعامل مع القضية الفلسطينية ليس باعتبارها قضية شعب له حقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، بل باعتبارها مجرد قضية "سياسية" تصح معها المناورات والتكتيكات، في ظل سقف زمني مفتوح.

بعد خطاب نتنياهو، وقبله خطاب أوباما (الأول) في الخارجية الأميركية، (والثاني) في مؤتمر "إيباك"، أصبحت الدولة الفلسطينية، تحمل أكثر من مضمون، انطلاقاً من رؤية كل طرف لهذه الدولة. وهو أمر يحتاج إلى حسم من الجانب الفلسطيني، وعلى قاعدة هذا الحسم، تبدو الخطوات اللاحقة على تصريحات عريقات حول نفي وجود "شريك" إسرائيلي أكثر وضوحاً.
أوباما يريد "دولة" فلسطينية تخدم المصلحة الأميركية العليا، أي تقود إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وتنهي الصراع الإقليمي المستمر منذ عقود، وتسحب من تحت أقدام الأطراف السياسية "المتطرفة" بساطاً يساعدهم على التحريض ضد الولايات المتحدة والغرب، وتأجيج المشاعر والأوضاع في المنطقة، بما يعكس نفسه عمليات قتالية ضد الوجود الأميركي في "الشرق الأوسط الكبير"، ويعكس نفسه خطراً على المصالح النفطية والاقتصادية والأمنية والسياسية الأميركية. كما أن تسوية القضية الفلسطينية تحت سقف "حل الدولتين"، كما تراه الولايات المتحدة من شأنه، برأي واشنطن أن يجرد "الإرهاب" من إحدى أهم القضايا التي يتاجر بها في صراعه ضد الغرب وفي تجنيده للرأي العام العربي والإسلامي.
كذلك يلتقي أوباما مع الإسرائيليين في ضرورة أن تكون إسرائيل "دولة يهودية" و"ديمقراطية" (!) في الوقت نفسه. وضمان "يهودية" إسرائيل هو في تخلصها من "الزوائد" غير اليهودية، أي من الفلسطينيين، الذي يشكل وجودهم تهديداً لطبيعة هذه الدولة العنصرية. لذلك يدعو أوباما الإسرائيليين إلى "منح" الفلسطينيين دولة تحقق الهدفين معاً؛ ضمان المصالح الأميركية في المنطقة، وضمان يهودية إسرائيل في الوقت نفسه. ومن الطبيعي، في السياق نفسه أن يغلف أوباما، وعموم فريقه السياسي، مواقفه هذه، بما تحتاجه من ضرورات أيديولوجية، كالحديث عن الحرية والديمقراطية وغيرها من العبارات التي تعيد رسم الوجه الأميركي البشع لتقدمه جميلاً في أعين الشعوب، ووسائل الإعلام.
والخلاف بين نتنياهو، وأوباما، الذي تحاول بعض وسائل الإعلام التركيز عليه وإبرازه، وتحاول بعض الأطراف السياسية أن تبني عليه، قد يبدو للوهلة الأولى خلافاً مستحكماً، يصعب على الطرفين الأميركي والإسرائيلي الوصول إلى حل بشأنه، ليس في حقيقته إلا خلاف في التفاصيل، لا يرقى إلى مستوى الخلافات الإستراتيجية التي لا حل لها. فالطرفان ينطلقان في رؤيتهما لما يسمى بـ "الدولة" الفلسطينية من اعتبارات المصالح الأميركية والإسرائيلية، وليس من اعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. لذلك وإن كنا نرى نتنياهو يبدو -بخيلاً- في رسم حدود هذه الدولة، ورسم سقفها السيادي، فإن أوباما، هو الآخر، حريص على أن يبقى الجانب الفلسطيني أسير العملية التفاوضية، ويرفض أي حل خارج هذه العملية بما في ذلك ذهاب الفلسطينيين إلى مجلس الأمن، أو إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة. كما يصر أوباما على معالجة كل قضايا الخلاف، بما في ذلك "المصالح الأمنية" لإسرائيل، [ومن ضمنها بقاء قواتها المحتلة ومستوطناتها في الجانب الفلسطيني من الغور] إلى طاولة المفاوضات، أي منح الجانب الإسرائيلي الحق في أن يكون شريكاً، ليس فقط في المفاوضات بل وكذلك شريكاً، وشريكاً رئيسياً قوياً، وذا أرجحية في تقرير مستقبل الدولة الفلسطينية ومساحتها، وحدود سيادتها على أرضها وشعبها، وسمائها، ومائها، ومعابرها...

إذن، عريقات يقول بعدم وجود شريك إسرائيلي في العملية التفاوضية.
وأوباما، يقول بأن لا حل إلا بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وبأن الطريق إلى الأمم المتحدة مزروعة بألغام حق النقض، والضغوط تمارسها الولايات المتحدة على المنظمة الدولية وعلى العديد من أصدقائها الدوليين والعرب (أيضاً).
ونتنياهو يقول بأن لا حل إلا تحت سقف المشروع الإسرائيلي، وبأن مصالح إسرائيل الأمنية والسياسية والاقتصادية، ودورها الإقليمي هي الأساس لكل حل، وعلى خلفيته ترسم "الدولة" التي يمكن منحها للفلسطينيين.
فماذا يملك المفاوض الفلسطيني من حلول لهذه المعادلة غير المتوازنة، وكيف عليه أن يتصرف وهل يكفيه المراهنة على قرار لجنة المتابعة العربية التي اعتمدت الذهاب إلى الأمم المتحدة رداً وحيداً على مواقف نتنياهو، في مراهنة منها (!) على خطاب أوباما، وكأن المسافة بين الخطابين تفسح في المجال لبناء سياسة إستراتيجية تضمن حقوق الفلسطينيين ومستقبلهم السياسي ومستقبل قضيتهم؟






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=4108