انور غني الموسوي : اللغة المتوهجة ، لغة الشاعر الفلسطيني يعقوب احمد يعقوب نموذج
التاريخ: الأثنين 19 يناير 2015
الموضوع: قضايا وآراء


اللغة المتوهجة ، لغة الشاعر الفلسطيني يعقوب احمد يعقوب نموذجا

  د انور غني الموسوي   لطالما كان النص الابداعي مصدر ولادة الفكرة النقدية و تكاملها ، بحيث يكون من غير المبرر الاعتقاد ان الفكرة النقدية يمكن ان تصح و تتجذر بإيعاز من مجالات خارج النص ،


اللغة المتوهجة ، لغة الشاعر الفلسطيني يعقوب احمد يعقوب نموذجا

  د انور غني الموسوي   لطالما كان النص الابداعي مصدر ولادة الفكرة النقدية و تكاملها ، بحيث يكون من غير المبرر الاعتقاد ان الفكرة النقدية يمكن ان تصح و تتجذر بإيعاز من مجالات خارج النص ، بان يكون النص مجرد محل لتطبيق تلك النظريات الغريبة على الادب .و كذلك من غير الواقعي تصور امكانية تطور الفكرة النقدية من دون اللجوء الى النص ، لأجل بيان الملامح التفصيلية و الدقيقة للنظرية النقدية .و خير مثال على هذا هو اللغة المتوهجة، اذ لا ريب في ظهور  اخفاق في المعالجة الذي تمنى به اطروحات العلوم اللغوية  و علوم النفس و الابحاث الثقافية امام فكرة اللغة المتوهجة . و تكشف انه ليس هناك طريق موثوق به سوى النص الابداعي . لقد اخذت فكرة اللغة المتوهجة مكانة متميزة و راسخة في الكتابات النقدية المعاصرة ، و نجح النقد النظري في استلال ملامح  لها ، و كذلك في جهة التطبيق كان للنقد نجاحا في تلمس ظهورات تلك اللغة في الادب. فمثلا يقول اياد خضير  في وصف لغة حسن البصام  ( وتكون جمله الشعرية في بعض قصائده إشارات متوهجة دلالياً مضغوطة الحجم كبيرة الكتلة الدلالية ( ، الا انه لا يظهر ان تلك الملامح وصلت حد التعريف التمييزي و تجلي المفهوم رغم ترسخ  الفكرة  و الظاهرة . في معجم اللغة العربية المعاصرة ( توهَّجت النَّارُ أو الشَّمسُ وهَجت ؛ توقَّدت  ،  توهَّجت رائحةُ الطِّيب : انتشرت ، توهَّج نورُ الحقيقة . ،  توهَّج الجوهرُ : تلألأ .)، و لا يظهر في الاصطلاح النقدي معنى مغاير  ، و لا بد من الاعتراف  ان النقد الادبي لم يبذل الكثير في بيان ملامح تلك اللغة و جمالياتها بشكل وظيفي و موضوعي ، و ظلت في كثير من جوانبها تحت الاوصاف الفضفاضة و غير المحددة . و لا ريب ان الاشارات الى انها لغة التكثيف و الادهاش و العمق كانت قريبة الى عالمها الواسع ، الا انه لأجل التطور اكثر فيها ، لا بد من بذل جهد اكبر في هذا الاتجاه  . لقد قدم لنا الشعر الحديث اشكالا مبهرة من الصورة الشعرية غير مسبوقة في عمقها و تعبيريتها ، كانت نتاجا لترسخ التكثيف والعمق و الادهاش  في الكتابات المعاصرة. ان هذه الصفات الثلاثة أعني التكثيف و العمق و الأدهاش صارت ملامح واضحة لكل شعر يكتب، بحيث ان الكتابة التي تتخلى عن أي من ذلك تكون في دائرة الشك و المناقشة من جهة الفنية. يقول احسان عباس  ( ان الاتهامات   توجه الى الشعر الحديث بانه يتحول الى نثر ، على انه  يتحول الى نثر عندما تضعف او تنضب الرؤيا المتوهجة في تجربة الشاعر .  اما الرؤية المتوهجة فهي تسقط عن الالفاظ النثرية نثريتها ).  و يقول (ممدوح السقاف ومن خصائص حركة الحداثة أيضاً أنها ألغت الفوارق بين ما كان يعد قاموساً شعرياً وموضوعات شعرية، فما تفرّق بين لفظة شعرية بذاتها ولفظة غير شعرية وموضوع شعري، وموضوع غير شعري فاللغة والحياة منجمان ثريان للطاقات ذوات المستويات المختلفة في شتى أدوات تعبيرها المتفاوتة في قيمتها الفنية. ومن هنا كان على الشعراء الحديثين متى استخدموا ألفاظاً لها طابع نثري متداول أن يشحنوها بالتجارب المتوهجة التي تسقط عنها نثريتها وتجعلها تتألق بالشعر.‏ ) و هذا أمر واضح لا يحتاج الى  مزيد بيان .  هذا الواقع الكتابي يشير الى نضج الكتابة الشعرية العربية ، وكل قول خلاف ذلك يفتقر الى واقعية ، الا ان هناك أمرا يعاني من عدم النضج ، هو حصول   تباين بين واقع التركيب اللفظي و التركيب  المعنوي  في كثير من الكتابات بحيث يفتقر المعنى  الى التوهج الذي يكون عليه التركيب اللفظي . كما انه قد نال اللغة المتوهجة شيء من الظلم ، بجعل الواجهة و الممثل الرسمي لها  لغة الهذيان و الإنثيالات  و اللغة الغامضة  و المغلقة ، مع ان الأمر ليس كذلك ، ان اللغة المتوهجة لا تتعارض ابدا مع   التعاونية و التعبيرية  ، و يمكن تحقيق الإدهاش و التكثيف مع تحقيق مقدار عال ايضا الجماهيرية . و لو تلمسنا الجماليات الحقيقية و الجوهرية لتلك لغة لوجدنا الرسالية و الاستجابة الشعورة من مقومات الابداع فيها .و في لغة الشاعر الفلسطيني الكبير يعقوب أحمد يعقوب نموذجا متقدما من لغة الرسالية و البوح  و الإدهاش . ان عمق الفكرة  وتوهجها و قوة اللغة  المبهرة  بتحقيقها قدرة توصيلية وبوح شفيف مع فنية و تشكل تركيبي عال ، تمثل نموذجا يحتل مكانة متقدمة في اللغة المتوهجة يتجاوز ما أشرنا اليه من التباين بين شكل التركيب و فكرته و بين توصيلية اللغة و فنيتها العالية ، اذ لا بد لأجل لغة ابداعية عالية المستوى من الارتقاء بالجهتين و عدم تغليب احدهما على الاخرى وهذا سر من اسرار اللغة العظيمة . و اللغة التي يكتب بها الشارع الفلسطيني  الفذ يعقوب أحمد يعقوب تمثل شكلا متقدما في اللغة المتوهجة ، و سنعمد هنا الى نماذج من ادبه التي تضيء زوايا عالمي الدلالة و الفكر . لو تلمسنا الجوهر العميق للغة الشعر لكان بالإمكان تبين مظهرين عميقين هما من أسباب توهج اللغة الشعرية ، الأول في مجال الدلالة و الثاني في مجال الفكر ، و لو فهمنا عملية التفكير  في طلب المعاني و الأفكار انها تعتمد على الإضاءات و الإنارات   لمواطن عميقة في الفكر  ، و هو ما تؤكده نصائح خبراء الكتابة بوجوب الإكثار من القراءة لأجل تطوير القدرة الكتابية ، و الذي يمكن رده بيسر الى تلك الإضاءة ، أمكن القول أن التوهج في معناه العميق إضاءة وتوهج في عالمي الدلالة و الفكر ، و من هنا يكون الطريق معبدا لسبر غور اللغة المتوهج  ببحث الاضاءات التي تحدثها  . في قصيدة ( شرفة الفرح  ) اضافة الى عذوبتها و بناءها التقني العالي و مجازاتها البديعة ، من الظاهر الهمس الشفيف الذي ينير مواطن من الفكر و عالم المعاني في هذه الكلمات التي ليست ككل الكلمات ، انها  مثال الويسلة و الطريقة  وصوت الخلاص فهي سلم  الفكر ، نحو غاية هي أمل و حلم فهي ( الفرح البعيد) ، و وسط هذا الأمل هناك الخوف العميق الموحش للضعف المر و التعب القاتل ( انه الخشب المتعب ) فيتجلى من نافذة الرؤية اليأس الآسر ( الجرح المدد )  المشدوه المتحير ( بين البحر و البر) ، فيبرز المجروح النازف بدمائه ( دماء القصيدة  )  و في قصيدة (عند آخر السطر  )  المكثفة و المتميزة بالبوح العالي ، و المنيرة لمعاني العطاء و الحب و الحنان ، المخاطب ملهم متعدد في تصوره ، الا انه من يكون المتكلم صورة خلاصة و سروره  ( يضع في كفه (زهرةً من نور) انه سيد الطريق و المعلم و النموذج ، او المحب المفرح ،  او الأخ الحنون  ، ثم يبرز الايمان بالكلمة و بالشعر و بالعمل للنفس المعطاءة  الطالبة للخير للغير  تخبر الاخر انها (تُعطر أنفاسك بروحِ القصيدة ) و (وتجعلك للحظةٍ  ،تشعرُ سعيدا ) ثم بكل التبريرات الممكنة  ، ببيان علل الفرحة و عطاءها لأننا في (زمنٍ صار فرحه كالنجوم بعيدا.............)  انه همس شفيق  و سلس و بسيط بخطاب و رسائل و وعود ، ان هكذا لغة تتميز بطاقة ايحائية عالية تبهر و تدهش . و في قصيدة (حين انتهى المشهد ، وأضاءت الأنوار العتمة  ، عندها فقط ............أدركتُ  ان الأبطالَ أناس مثلنا لو حاولنا  ........... أن نكون مثلهم .... ) خطاب عميق صادم للنفس ، يكشف خبايا العجز و الكسل و يوقظ في الفكر  تساؤلات و مطالب للسعي و العمل ،  تكثيف و توصيل مبهر و باسلوب صادم ، يبحر بالنفس الى عالم عميق و تمثل للمجتمع يحيي الرغبة في النهوض . ان الميزة العامة للغة يعقوب احمد يعقوب هو الجمع الصعب بين التركيب الهادئ و السلس و بين الابهار و الادهاش وهذا نموذج اللغة القوية العميقة  ، و من الواضح اتكاء الشاعر على قوة الفكرة و اضاءتها لمواطن عميق في النفس تحقق لها الإبهار و الإمتاع ، و بذلك يتوافق عمق الفكرة و توهجها مع توهج التركيب و فنيته ، فيكون لدينا  لغة متكاملة التوهج  .

  النصوص الاصلية شرفة الفرح 
****
أرتبُ الكلمات سُلماً 
أصعد عليه 
لشرفةِ الفرح البعيدةِ
وأخافُ أن ينكسرَ الخشب المُتعب
ويداهمني الجرح 
....ممدداً.....
بين البحر 
........والبر 
ودماء القصيدة..........   عند آخر السطر 
ستجدني أنتظر.......
لأضعَ بكفك زهرةً من نور
تُعطر أنفاسك بروحِ القصيدة
وتجعلك 
للحظةٍ 
تشعرُ سعيدا
بزمنٍ صار فرحه
كالنجوم بعيدا...............
........................... حين انتهى المشهد  **** حين انتهى المشهد
وأضاءت الأنوار العتمة
عندها فقط
................أدركتُ
ان الأبطالَ أناس مثلنا
لو حاولنا 
........... أن نكون مثلهم .... **** 






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=25981