مامون رشيد .. يوم ماطر
التاريخ: الأحد 16 نوفمبر 2014
الموضوع: قضايا وآراء



يوم ماطر
مامون رشيد


يوم ماطر
مامون رشيد
دفعتني نقرات المطر صباح هذا اليوم على شباكي أن أفيق باكرا , محاولا استغلال جمال وروعة اللحظة , محاولا اعادة ترتيب أفكاري وأوراقي , فالجو الماطر مع فنجان قهوتي الصباحيي , وصوت فيروز الملائكي دائما مايثير أفكاري ويحفزها ويحفزنى فأبدأ في تنقيحها و ترتيبها , وتأخذني فيروز بصوتها الى عوالم لامتناهية من التفكير و الافكار, لكني أعود وفي معظم المرات مشتت كما بدأت , وهذا ليس قصرا أو جهلا أو عدم ادراك للحظة بقدر مايصدمني واقعنا المرير وحالنا الذى لايسر عدو ولاصديق , فأعود من حيث بدأت عل يوما ماطرا أخر يكون أفضل من يومى هذا , وعل فنجان قهوتى المرة يخف مرارة , وعل صوت فيروز يخرجني من سواد واقعنا .
قلبت أوراقي , أدرت التلفاز لسماع و رؤية نشرات الاخبار , هى نفسها متكررة ومعادة , قلبت صفحات الصحف , لاجديد كنت قرأتها أمس وقبل أسبوع لكن التاريخ اختلف , حاولت أن أبحث عن أي مستجد , لاجديد كل شىء معاد ومكرر , تصيبك اللحظة بالملل , لولا صوت فيروز الذى لازال ينبعث فى أرجاء غرفتى التى يسمح لى شباكها الواسع أن أستمتع بمنظر زخات المطر , التي لازالت تسقط حباتها على طرقات الوطن لتغسلها والتي قد تغسل معها قلوبنا مما علق بها من شوائب , وتتناثر على أوراق أشجارة اليابسة علها تعيد الحياة لهذة الاوراق بعد أن اصابها الجفاف , ولنفوسنا التي تكاد أن تيبس كارواق الخريف .
لازلت مستمتع برشفات من فنجان قهوتى المرة , السادة كما يحاو لنا أنا نقول , ولعل مرارتة وسوادة بنطبق على واقعنا العربي هذة الايام , بل قد يكون التوصيف الاكثر قربا لما نحن فية من تشتت وفرقة وضعف وتراجع وانكسار ومؤامرات , وهزائم أصبحت تلاحقنا صبح مساء , وفي كل زوايا الوطن , عواصم تتساقط , من القدس , الى بيروت الى بغداد الى دمشق الى صنعاء الى الى ولازال الشريط لم ينتهى , بلاد تحتل من الاحواز الى فلسطين الى الاسكندرونة الى جبل طارق الى الجزر فى الخليج العربى والبحر الاحمر , الى لبنان ومزارعه فى شبعا , الى الجولان , الى العراق , وكثير مما أصبح في الذاكرة ودخل عوال النسيان , أنها صورة سوداء قاتمة تدخلك فى حالة من الكأبة والتوتر , أحاول أن ألتقط أي نقطة نور أو شعاع فى أخر النفق المظلم ألا أنني أفشل , فها هى النياران تلتهم ومنذ سنوات العراق بلد الحضارة , موطن حمورابي , بلاد بابل , عاصمة الرشيد , حقدا و انتقاما من عاصمة الخلافة لما قدمتة من علم وادب وفن للحضارة الانسانية , فليس المطلوب لهذة الامة أن يكون لها دورا وبصمة فى الحضارة الانسانية , فالعراق حين بدأ ينهض بالامة ويأخذ زمام العلم و التطور والقوة , كان يجب أن يعود للجهل والتخلف والضعف والتشتت والاقتتال , كان يجب أن تفتح البوابة الشرقية للأمة ليدخل منها الطامعون فى اعادة عرش كسرى , الراغبين في الانتقام من كل ماهو عربى , انتقاما لامبراطورية زالت ولن تعود , وسوريا التي تلتهمها النار منذ حوالي السنوات الاربعة , والتي أتيت على كل شىء , من أجل أضعافها وتمزيقها , خدمة لاسرائيل وللمشروع الصهيوني الغربي فى المنطقة , والهادف الى تمزيق الامة والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها , واشعال نار الفتنة الطائفية والعرقية فى أرجائها .
انها صورة قاتمة لربيع عربي اعتقدنا أنة سيكون ربيعا للحرية والديمقراطية والتنمية واعادة هيبة الامة وعزتها , وللانسان العربي احترامة وحقة فى الحياة والحرية , وامتلاك شعوبها لثرواتها وتسخيرها فى التنمية للحاق برك الحضارة , لكنة كان ربيعا يابسا زاد المشهد قتامتا واحباطا , فهاهو الحريق لازال مستعرا في ليبيا , منذرا بالتقسيم وبحروب طويلة بين أبناء البلد الواحد , فيسهل لاعداء الامة التدخل لسرقة الثروات الليبية الهائلة , وخاصة من الطاقة وهى عمود الحضارة المعاصرة , والتي يسيل لها لعب الأعداء والطامعين , ليمتد الحريق في نفس الوقت الى اليمن , فيقتتل الاخوة , ويراق الدم في أرض الحكمة , في اليمن السعيد , والذي أراد اعداء الامة من الصهاينة والماجوس ألا ان يكون يمنا تعيسا متخلفا يقتتل فية الاخوة , فيضعف ويهن , ويلتجأ فراقائة المتناحرون كل الى من يساندة ويسندة من الخارج , فيأتيها الحاقد والطامع من ملالي الفرس , الذين يحلمون باعادة عهد بن ذي يزن , وأن يصبح لهم منفذا وميناء ونفوذ على البحر الاحمر , تحكم وتتحكم من خلالة , وذلك برضى أمريكي , حيث يتم تحت سمع وبصر الطائرات والبوارج الامريكية , التى تحلق في سماء المنطقة وتجوب بحارها , كما سمحت لها قبل ذلك في العراق وسوريا , وكذلك برضى اسرائيل التى تحتل قواتها جزرا في المنطقة تقيم عليها قواعدها , وتجوب بحريتها المنطقة , يتم ذلك وتصل قوات الحرس الايراني الى الحديدة على البحر الاحمر , وهم لم يحركوا ساكننا , انها صورة قاتمة لربيع عربي , قد يكون الاكثر ظلمة في تاريخ الامة , تفوح في كل جوانبة رائحة التأمر و المؤامرة والخيانة .
لازال صوت فيروز ينبعث فى جنبات غرفتى , ولازالت حبات المطر تدق شباكى , ولازل فنجان قهوتي لم ينتهي بعد , لكن سيجارتي الرابعة او الخامسة قد احترقت كما أعصبي التي تكاد ان تحترق هى الاخرى , أي ربيع هذا الذي لايخلو يوما ألا وتطالعنا الصحف وشاشات التلفزة عن سقوط القتلى بالعشرات , أن لم يكن بالمئات , في العراق وسوريا وفلسطين واليمن وليبيا مصر وغيرها , بعضهم يموت بالاتقتال في حرب الاخوة , وبعضهم بأيدي عصابات أرهابية تدعي الدين والتدين , عصابات تم صناعتها في أقبية أجهزة مخابرات لانظمة فاسدة لاهم لها ألا البقاء في سدة الحكم , حرصا على مصالحها ومصالح حلفائها من أعداء الامة , والبعض الاخر من هذة العصابات هى ماركة أجنبية , وصناعة أجنبية , صنعت خدمة لمشروع المؤامرة على الأمة ومقدراتها , أنة ربيع مظلم , حتى مصر قلعة الامة , وسدها المنيع يريدون ضربة واضعافة , ويريدون بة شرا , خدمة لاسرائيل ومشروعها فى السيطرة على المنطقة وتقاسمها مع ماجوس ايران , اللتان تخدمان المشروع الامريكى فى تقسيم المنطقة , يحالفهم في ذلك مايسمى الاخوان المسلمون , مدعون ببعض من الانظمة والدول في المنطقة والتي لكل منها مصالحة , وذلك بعد محاولة زعزعة الامن والاستقرار فى الخليج العربى , من البحرين للسعودية والكويت والامارات , نعم انة ربيع قاتم اللون لاخضرة فية ولا ماء , ربيع أردوة لنا يخدم مصالحهم ولاينظر لمصالحنا , ربيع لازالت تنبعث من أيادي من حاول أن يزرع في ارضنا بذور نبته الجديد , لازالت تنبعث من ايادية رائحة كريهة , رائحة المؤامرة والحقد والطمع والكراهية , انة ربيعهم وليس ربيعنا , فربيعنا لم يأت بعد , لكننا نرى بدأ خضرة بدأت تنبت في أرض الكنانة , لكنها مغموسة بدم أبطالها , ودموع عيون نسائها , وعرق فلاحيها وعمالها , وأهات شيوخها , تأتينا نسائم طرية من أرض الكنانة , حاملة بشرى الامل والخير لتغرد فيروز مع هذة النسائم ( مصر عادت شمسك الذهب) .
هاهى فيروز لازالت تشدوا , وأنا لازلت أحترق مع سيجارتى السادسة , وحبات المطر تاتى متقطعة تنقر على شباكي , ونشرات الاخبار لازالت تحصي أعداد قتلى اليوم , واللذين أضحوا مجرد أرقام فى نشرات الاخبار وسجلات بعض المهتمين , وأنا مازلت أرقب أخر النفق , متلهفا الى نور قد يبدد ظلام عتمتنا , وينير دربنا , ويؤلف بين قلوبنا , ويلهمنا رشدا ورشادا , عل قيودنا تكسر , وتحطم الا سوار , وتقصر المسافات بين قلوبنا , فكم أنا مشتاق الى حضن أمي , وقهوة أمى .
ينبعث صوت فيروز فيسري في جسدي كما تسري الدماء في العروق (سنرجع يوما الى حينا ) , تتساقط حبات دمع من عينني , فتشارك السماء دمعاتها التي لازالت تتناثر على الشباك معلنة بدأ فصل جديد , تنبت أرضنا فية أملا , وحرية , ووحدة , وعزة , وكرامة , وقوة , انة الربيع العربي الذي نريد .

مأمون هارون
16112014






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=25153