عدلي صادق : مصر والهند وتحديات المرحلة
التاريخ: الأثنين 02 يونيو 2014
الموضوع: قضايا وآراء




مصر والهند وتحديات المرحلة
بقلم : عدلي صادق
ثمة أوجه للشبه، بين ما تتطلبه الهند للإقلاع الى آفاق تنموية واعدة، تأخذها الى مستوى أعلى للمعيشة، وما تتطلبه مصر لإقلاعها، بعد أن تجاوزت البلاد مرحلة الانتخابات الرئاسية، ولم يتبق عليها سوى


مصر والهند وتحديات المرحلة


بقلم : عدلي صادق


ثمة أوجه للشبه، بين ما تتطلبه الهند للإقلاع الى آفاق تنموية واعدة، تأخذها الى مستوى أعلى للمعيشة، وما تتطلبه مصر لإقلاعها، بعد أن تجاوزت البلاد مرحلة الانتخابات الرئاسية، ولم يتبق عليها سوى المرحلة الأخيرة من خطة "خارطة الطريق". لعل من أهم الفوارق بين الحالين في البلدين، أن الانضواء على ايديولوجيا سياسية ذات توظيف للدين، الذي هو في الأساس مرجعية الإيمان والتعبد في المجتمع؛ انتهى في مصر لكنه بدأ في الهند، ما يجعل الرئيس السيسي، معنياً بالبرهنة، بلغة النهوض والتنمية والانفتاح البراجماتي، على أن لديه ما يقدمه كبديل ذي حيثيات يلمسها الشعب، ويجعل رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، معنياً بجعل متطلبات الحياة والنهوض والتنمية والانفتاح البراجماتي، أولوية مقدمة على الأيديولوجيا، التي ما تزال ماكثة في ثنايا وأدبيات الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة!
هنا، يلعب المستشارون دوراً حاسماً، وبخاصة عندما يؤدي المستشار وظيفته كما ينبغي لها أن تؤدى. ففي أوطاننا العربية، لا يزال المستشار يظن أن عليه تكملة الفكرة التي تطرأ في ذهن الحاكم ويجمع لها عناصر الوجاهة، كيفما تكون، بينما في البلدان ذات المؤسسات الراسخة والعريقة، يكون أهم ما يفعله المستشار هو أن يقول "لا إن الفكرة خاطئة" وأن يفندها، وهذا ما تابعناه خلال الأيام القليلة الماضية في الهند!
نارندرا مودي، في حملته الانتخابية، وعد بمشروعات تنمية كبرى، لا يغطي جزء من أكلافها، كل ما نجح حزب "المؤتمر" في مراكمته من الاحتياطي النقدي، في أكفأ عهوده تصدياً للأزمات ودقة في الأداء الاقتصادي. فمن بين ما وعد به الرجل، بناء مئة مدينة عصرية، وتنقية الأنهار وتوسيع مجاريها وإقامة أحزمة صناعية كبرى على ضفافها، وإقامة شبكة كبرى من السكك الحديدية الحديثة السريعة، تتخلل البلاد كلها. ويقول له المستشارون، إن المهة الأولى، بينما الأمر على هذا النحو، هو تأمين التمويل وتأسيس شراكات مع الاقتصادات العملاقة التي تمتلك احيتياطات نقدية هائلة. وبمصادفات الجغرافيا، كان العملاق الأول، الذي يمتلك مثل هذه الاحتياطات، هو الصين، جارة الهند وضرتها الأزلية. عندئذٍ، يتوجب على السياسة الرشيدة، أن تفعل فعلها، لكي توفر الأرضية التي تقوم عليها الشراكة. وفي السياسات الداخلية، أن يؤخذ المقتضى على كل المستويات، لتحقيق الاستقرار، وأن تقوم الثقافة بما عليها، لترتفع بمستوى التعاضد الاجتماعي الى سوية التسامح وتقبل الآخر على قاعدة المواطنة، وأن يُعاد النظر في المنظومة القضائية، لكي تنحني كل الهامات أمام القانون، ولكي لا يكون ثمة تمييز على أساس الدين والجهة والانتماء الحزبي. وللأسف، لا تملك الأيديولوجيات المغلقة، أياً كانت وأينما كانت، مثل هذه الروح لكونها تنطوي دائماً، على هواجس التبشير بمنطق الانتماء الحزبي، والأحكام المطلقة على الناس. فالهند، تحتاج الى استقرار علاقتها مع باكستان، والى إقناع الصين بأنها المكان الأفضل لاستثماراتها ولتحقيق الربح، لا سيما وأن الخبراء الهنود، يذكّرون الصينيين في كل يوم، أن ما يزيد عن ثلاثة تريليونات ونصف الترليون دولار، تقبع إما في أوعية مصرفية أمريكية، أو في سندات خزينة أمريكية، وربحها يتراوح من صفر الى 1% في السنة، بينما الدولار يخسر 4% سنوياً من قيمة صرفه، أي إن الاحتياطات النقدية الصينية تتآكل!
في هذا السياق، بالنسبة للهند أيضاً؛ يُقرع لرئيس الحكومة الجديد نارندرا مودي أول الأجراس، محذراً من مغبة غرام لافت، بدا في حملته الانتخابية، بينه وبين الأمريكيين، ما جعل بنيامين نتنياهو يهاتفه مهنئاً واعداً بإقامة تحالف لا تنفك عُراه. فإن أخذت مصلحة الهند، نارندرا مودي الى الصين، فإن الصين ستسارع الى سحب أموالها من الولايات المتحدة، وهنا ينكشف زيف الإطراء الذي أجزلته واشنطن لنارندرا مودي!
بالنسبة لمصر، هناك مشروعات تنموية مفترضة في انتظار العمل وفي انتظار التمويل. في عام مرسي، تم الحديث عن بعضها تفصيلاً، كمشروع التنمية الكبير، على جانبي خط قناة السويس، واتجه مرسي شرقاً وزار الهند واليابان وغيرهما، لكن انشغال "الجماعة" من ورائه على مشروعها للتمكين، وهذا ما لن تحققة القوى الممسكة بأيديولجيات حزبية؛ جعل الاستقرار مستحيلاً، لأن الأوطان لن تتحول الى مخيمات كشفية تنضبط لتوجهات الكشاف الأول. ذلك بقطع النظر عن صوابية الايديولوجيات الحزبية أو خطئها.
الحلفاء العرب الأقربون، للرئيس السيسي، يدركون ما تحتاجه مصر، ويعرفون أكلافه، ولا يريدون أن يظل عون مصر، مالاً مستقطعاً ومستهلكاً. إنهم يريدونه مالاً استثمارياً يساعد على حل نهائي للأزمات، ويرفع مستوى المعيشة، وقد بدأوا يطلبون مساعدة العالم ووقوفه معهم لأداء هذه المهمة.
في الهند، لم يعد أمام نارندرا مودي، سوى أن يخلع من ثقافة الحزب ويحل في ثقافة الوطن. وفي مصر بات على السيسي، أن يثبت جدارته عند الأخذ بخيارات بديلة، قوامها التنمية والعدالة للجميع والإعلاء من شأن الأواصر القومية!
adlishaban@hotmail.com







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=23225