عدلي صادق : سراويل ساحلة وأحوال شبيهة
التاريخ: الجمعة 12 أبريل 2013
الموضوع: قضايا وآراء


سراويل ساحلة وأحوال شبيهة
عدلي صادق
ربما لا يختلف واحدنا، مع ظاهر القصد أو ظاهر المعنى،



سراويل ساحلة وأحوال شبيهة
عدلي صادق
ربما لا يختلف واحدنا، مع ظاهر القصد أو ظاهر المعنى، للخطوة التي بادرت اليها سلطة "حماس" في غزة، بملاحقة الشبان الذين يرتدون سراويل ساحلة، مع طلاء لشعور رؤوسهم بمادة Sol gel الهلامية اللامعة، ذات الجذر المعدني، لزوم تلميع "السيراميك" في أحد تركيباتها، وتلميع شعر الرأس، في تركيب آخر مُستَجَد!
وربما يكون صادماً، تأييدي لسلطة "حماس" ضد مراكز حقوق الإنسان والـ "إن جي أوز" المشتغل في موضوع العدالة والحريات، إن كانت التهمة لـ "حماس" هي العمل على الفصل بين الجنسين في المدارس، بعد سن التاسعة، وتأنيث المؤنت، أي تغييب الذكور عن الهيئات التدريسية في مدارس الإناث. أما معالجة أمر الشبان ذوي الرؤوس اللامعة والسروج الساحلة، فإن لنا فيه نصيحة.
 يجدر التذكير بأن الفصل قائم، بين الجنسين، في التعليم، منذ أن بدأ التعليم الأميري في قطاع غزة. ويبدو أن الأمر يتعلق بالمدارس الخاصة، التي رفعت سن الاختلاط الى ما فوق التاسعة، فعملت سلطة "حماس" على إرجاعه الى معدله الأول. وفي الحقيقة، لا يُستحب الاختلاط بين الناشئة من الجنسين، في المجتمع الفلسطيني عموماً، إن لم يكن بسبب تحاشي الاحتكاك، مع بدايات نشوء الغرائز الأولى للمراهقة؛ فسيكون بسبب ضرورة تحاشي الحساسيات، الناشئة عن طبيعة التخاطب بين التلامذة، وما يتسم به من ألفاظ، وعدم تقبل المجتمع، لأن تستمع الأنثى الصغيرة، الى ألفاظ ذكورية صادرة عن أطفال يصعب ضبطهم في كل مقام. ففي قطاع غزة، لا يُستبعد أن تنشأ مشاجرة عائلية، لو اشتكت طفلة لأسرتها، بأنها سمعت قولاً ذميماً. أما الاختلاط بين العاملين في الهيئة التدريسية، في مدارس الإناث، فإنه يرهق كلا الجنسيْن، بمعايير علم النفس، لأن الحشمة في الحركة واللفظ، وفق الموروث من العادات والتقاليد، يفرض على الذكر أو الأنثى كياسة واحتشاماً زائديْن ومرهقيْن، وهذه حالة يسمونها في علم النفس صراع الدَوْر Role Conflict  وإخواننا في المنظمات غير الحكومية الـ "إن جي أوز" يريدون رفع أو إنزال أدبيات التخاطب، ومستويات التصرف والانكشاف، الى سويّة المجتمعات الصناعية المتقدمة، التي لم يعد ثمة ما يجرح أو يُحرج، في لغاتها المحكية؛ سوى القليل الذي لا يصح قوله في أي مكان. وإخوان الـ "إن جي أوز" هؤلاء، يساريون "متقاعدون" في معظمهم، باتوا اليوم، العناصر الأجدر للاضطلاع بمهام التحديث المسلكي، بعد انسداد آفاق العمل على رفع أو إنزال العادات والتقاليد، الى السويّة المرتجاة، لصالح ديكتاتورية البروليتاريا والسلطة الثورية والإشتراكية. فلم يعد أمامهم سوى العمل لصالح أوساط تمويلية ليبرالية، مناوئة للثورات، ورأسمالية تحدوها الرغبة، في تفكيك جلاميد العادات والتقاليد، وإن أمكن استبدال العديد من القيَم!
*   *   *
غير أن اعتراض بعض المشتغلين في الـ "إن جي أوز" على الأسلوب الذي اتبعته شرطة "حماس" في غزة؛ لا يجانبه الصواب، لأن هذه السلطة تعالج خللاً سطحياً على مستوى المظهر، بخلل يلامس الانحراف في جوهر أداء الحكم، تنجم عنه جروح نفسية، وإحراجات مجتمعية، للشبان الذين يحدث التنكيل بهم، أو للفتيات اللاتي يُحتجزن ولو لدقائق. ولعل بعض التعبيرات في بيانات الـ "إن جي أوز" تسهم في تكبير رأس "حماس" ومنحها في صيغة الاتهام؛ شرف العمل على "أسلمة المجتمع". فالمجتمع مسلم قبل وبعد "الجماعة"، والأسلمة هي غير "الأخونة". فمن شأن الأولى، أن تجعل الأحزاب الإسلامية الخمسة في مصر حزباً واحداً، يناصره كل الموحدين بالله من المسلمين. أما "الأخونة" فمن شأنها أن تنشطر هي نفسها، وأن تشطر المجتمع، والقوى الإسلامية، لكي تتعدد أطرها، دون أن يثق واحدها في منهج إسلام الآخر!
أما بالنسبة لأولادنا الذين يطلون شعور رؤوسهم بـ "صول جِل"، فهؤلاء يعتمدون معياراً جديداً للجَمال، يتفشى في العالم العربي الآن، وبدرجات أقل في الغرب، على اعتبار أن مثل هذا الطلاء، بدأ عندهم في أواخر عشرينيات القرن الماضي. ومن المفارقات، أن الشُبان المصريين من أكثر أوساط هذه الفئة العمرية في المنطقة، استخدماً للمادة، كأنهم يعرفون أن أول من قام باستخدام "جِل" هم الفراعنة الأقدمون، ودهنوا بها شعور رؤوسهم في الحياة، ثم مومياءاتهم في الممات. فقد تعرف على المادة، وفق الموسوعة البريطانية الورقية القديمة؛ علماء الأثار في إحدى جامعات بريطانيا، إذ أجروا اختبارات على 18 مومياء فرعونية عمرها نحو 3500 سنة، استُخرجت من مقبرة في واحة الداخلة في الصحراء الغربية المصرية "الوادي الجديد". وسجل العلماء أن الفراعنة الأقدمين، جلبوا "الراتنج" من إسبانيا ومن جنوبي غرب فرنسا. وهذا إفراز هيدروكربوني من أشجار الصنوبر، استخدموه في طلاء الوجه والشعر وجثث الموتى للحفاظ عليها، إذ كان "الروتنج" أحد مواد التحنيط!
على قاعدة ذلك الاكتشاف، انتجت شركة بريطانية في أواخر العشرينيات، معجون "برايل كريم" ثم بعدها في أوائل الستينيات، أنتج الأمريكيون معجون Dep الهلامي من "جِل" ليتفشى بين الشباب في الغرب. وبدا لافتاً أن استخدام الشبان المصريين لهذا المُنتج، يشمل كل الأطياف، ولا علاقة له عندهم، بمنظومة الأخلاق، بل إنه نمط من الزينة الشبابية، علماً بأن "صول جِل" مادة حائلة، تعيق جانباً من الوضوء، ولا يجوز التؤضؤ معها، إلا عند الضرورة أو عند التَيَمُمْ!
وربما يكون مُستحدث التخاطب المصور، عبر الإنترنت، سبباً في إقبال الشباب على استخدام مادة "صول جِل" بحثاً عن أفق فيما آفاق بلادنا مسدودة، إذ يُصار الى تلميع شعور رؤوسهم، تزيداً في تعميق استحسان شريكات التحادث على الطرف الآخر،  سواءٌ كانت أنثى مؤمنة محجبة، تتلهى، أو سافرة لاهية أصلاً!
السراويل الساحلة، انبثقت عندنا عن أحوال ساحلة وما تزال تسحل، الى ما هو أدنى منها. إن الرفع الشامل واجب وطني. لكن رفع السراويل، لا يكون بالعصا ولا بالشرطة، وإنما برفع الأحوال، من خلال عملية اجتماعية ثقافية اقتصادية تنموية وسياسية!
 أما الـ "جِل" فإنه جاء وحضر، وسيذهب ويغيب في سياقه التاريخي، ولا حاجة للتعسف معه، بل لا خوف منه. فالخوف كل الخوف، من استمرار التداعي في التسحيل، حتى تنكشف مؤخراتنا، والله من وراء القصد!
www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com
   
 







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=17711