معتصم حمادة : المناطق المحتلة ليست أقل شجاعة من شعب تونس وشعب مصر
التاريخ: الأربعاء 16 فبراير 2011
الموضوع: قضايا وآراء


المناطق المحتلة ليست أقل شجاعة من شعب تونس وشعب مصر

معتصم حمادة
من كان يتوقع ثورة شعبية في تونس، وثورة شعبية في مصر؟. لذلك إياكم أن تعتقدوا أن الأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة سوف تبقى على ما هي عليه، وبحيث يبقى الاحتلال الرابض على النفوس «احتلال خمس نجوم».



المناطق المحتلة ليست أقل شجاعة من شعب تونس وشعب مصر

معتصم حمادة
من كان يتوقع ثورة شعبية في تونس، وثورة شعبية في مصر؟. لذلك إياكم أن تعتقدوا أن الأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة سوف تبقى على ما هي عليه، وبحيث يبقى الاحتلال الرابض على النفوس «احتلال خمس نجوم».
 أصيب المفاوض الفلسطيني بخيبة أمل، مع صدور بيان اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط (ميونيخ في 5/2/2011) إذ كان يتوقع موقفا حازما تدين فيه «الرباعية» الاستيطان الإسرائيلي، ودعوة منها إلى نتنياهو لتمديد تجميد الاستيطان، ومصادرة الأراضي والبيوت أو هدمها، في الضفة الفلسطينية كما في القدس، كذلك كان يتوقع «خطوة فاعلة» تحفظ له ماء الوجه، وتعيده إلى طاولة المفاوضات المباشرة والعلنية، بعيدا عن الصيغ الأميركية الغامضة، التي أعلنت عنها هيلاري كلينتون في 10/12/2010.
ومما زاد في خيبة أمل المفاوض الفلسطيني أن «الرباعية» تحدثت هذه المرة، وبلغة واضحة، أن طاولة المفاوضات هي المكان الوحيد لتسوية النزاع؛ حين دعت الطرفين إلى عدم اللجوء إلى إجراءات من طرف واحد، وإذا كان المفاوض الفلسطيني يستطيع أن يدعي أن هذه العبارة تتضمن فيما تتضمنه دعوة إلى وقف الاستيطان، (الاستيطان الذي لم يتوقف رغم أن هذه العبارة تتكرر في كل بيانات «الرباعية» تقريبا) فإنه لا يستطيع أن ينفي أن هذه العبارة تتوجه إليه هو أيضا، تدعوه إلى عدم اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، لحل مسألة الاستيطان، كما تدعوه إلى التوقف عن التحرك الدولي لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وليكف أيضا عن الحديث عن احتمال اللجوء إلى مجلس الأمن، أو الجمعية العامة، للغرض نفسه.
ما يزيد في أهمية هذه العبارة، وشدتها، وخطورتها على الموقف الفلسطيني، أنها تأتي ردا مباشرا على الدعوة الفلسطينية إلى «الرباعية» للاعتراف بالدولة الفلسطينية «فورا». وهو ما يبين أن تقديرات المفاوض الفلسطيني لمواقف «الرباعية» في واد، وأن حقيقة مواقف «الرباعية» في واد آخر. فالرباعية انشغلت، كما كان متوقعا، بالحالة المصرية، التي تأتي في ترتيب زمني بعد الحالة التونسية، بكل ما يحمله هذا الأمر من تداعيات مرتقبة على أوضاع المنطقة ومصالح القوى الدولية والأطراف الإقليمية المختلفة. وبكل ما يعنيه هذا من خلط أوراق، يحتاج بعدها السياسيون إلى امتلاك القدرة على المراجعة الشجاعة والمبدعة.
هذه اللجنة الرباعية هي نفسها التي استقوى بها المفاوض الفلسطيني على باقي أطراف الحالة الفلسطينية حين استجاب لدعوة كلينتون لاستئناف المفاوضات في 2/9/2010، مدعيا أنه يلبي دعوة «الرباعية» في بيانها الصادر عشية الوعد الذي حددته كلينتون. وقد حاول آنذاك أن يغطي التراجع الكبير الذي حمله بيانها  آنذاك، إزاء قضية الاستيطان، مقارنة مع بيانها الأسبق في آذار (مارس) من العام الماضي، ليصدر هذه المرة بيانها الأخير (5/2/2011) والذي شكل خطوة إضافية إلى الوراء.
* * *
بطبيعة الحال، يؤشر بيان «الرباعية» إلى مسألتين:
* الأولى أن بيانات «الرباعية» ومواقفها مازالت تخضع إلى حد كبير لتأثيرات الموقف الأميركي، وأن التوازنات فيها مختلة على الدوام لصالح واشنطن، فلا موسكو تمارس دورا مؤثرا فيها (ربما في إطار صفقات دولية تتجاوز مصالح موسكو في الشرق الأوسط). ولا الاتحاد الأوروبي خرج من شرنقة الضعف الذي يعتريه دوما في مواجهة الولايات المتحدة.
* الثانية أن الاهتمامات الحالية للأطراف الدولية الفاعلة، هي لصالح ما يجري في مصر، وليس لصالح الصراع في المنطقة. وبالتالي ليس مستغربا أن تسلط وسائل الإعلام الأضواء على مواقف واشنطن وموسكو وأوروبا من مجريات الأحداث في القاهرة، وأن تتناول، في زاوية صغيرة، على خلاف المرات الماضية، بيان «الرباعية» إزاء قضية الشرق الأوسط. وكأن لسان حال هذه القوى يقول إن حل الصراع في الشرق الوسط باستطاعته أن ينتظر وقتا إضافيا (وهو الذي مازال في صالة الانتظار منذ حوالي عشرين سنة ـ أي منذ انطلاقة مؤتمر مدريد، دون احتساب السنوات السابقة، أي نصف قرن من الزمان). لكن القضية المصرية الموضوعة على نار حامية لا تستطيع أن تنتظر ساعة واحدة، وبالتالي لا غرابة أن ينصب اهتمام الأطراف الدولية في ميونيخ على الوضع المصري، وأن يبدي الجميع قلقه مما يجري في القاهرة من تطورات, وأن يسدوا النصائح للقيادة السياسية فيها، مقابل أن يكرروا في بيان «الرباعية» المواقف التقليدية ذاتها، وإن بلغة باهتة، ما عدا تلك العبارة التي وقفت سدا أمام الجانب الفلسطيني إن هو حاول التفلت من قيد العملية التفاوضية أو التفلت من قيد الهيمنة الأميركية.
* * *
إذن، هي خيبة أمل أصيب بها المفاوض الفلسطيني، فاندفعت وسائل إعلامه توزع الانتقادات للبيان، وكأن المسألة ستجد طريقها إلى الحل، إذا ما لجأنا إلى النقد، وكأن الأمر، في هذا السياق، يعفي المفاوض الفلسطيني من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور، وعما توصلت له «الرباعية» من نتائج.
لعل الدرس الأكثر بلاغة، والذي يتوجب على المفاوض الفلسطيني أن يستخلصه أن الاهتمامات السياسية للأطراف الكبرى، إنما تنصب في خدمة مصالحهم. وعندما لاحظت هذه الأطراف، أن مصالحها في مصر مهددة بشكل أو بآخر، تحت وطأة الثورة الشعبية المصرية، اضطرت لوضع الملف المصري على رأس جدول الأعمال، وليكون القضية الكبرى في المداولات. وبالتالي، من كان يتمنى لو أن «الرباعية» منحته بعض اهتمامها، كان عليه، بالمقابل، أن يشد انتباهها بسياسة تفرض الملف الفلسطيني على جدول أعمال الأطراف الكبرى في هذا العالم، وبحيث تدرك، أن التحركات الشعبية الفلسطينية تهدد الاستقرار في المنطقة وأن لا سبيل للعودة إلى الاستقرار إلا بالنزول عند ارادة الشعب الفلسطيني. أي بتعبير آخر، لو كانت الثورة الشعبية في الضفة الفلسطينية وليس في مصر، ولو كانت المصالح الإسرائيلية، وفي السياق، الأميركية، تهددها هذه الثورة الشعبية الفلسطينية، لتدافع المندوبون والمبعوثون الدوليون، وعلى رأسهم وزراء الخارجية (ولا نستبعد رئيس الولايات المتحدة نفسه على غرار ما فعل بوش الابن وقبله كلينتون) ليطفئوا النار الفلسطينية المشتعلة، من كان يرغب في أن تعترف له «الرباعية» بالدولة الفلسطينية المستقلة «فورا»، كان عليه، «وفورا» أن يشعل نار الثورة، ليضع الجميع، أصحاب المصالح الكبرى أمام خيار وحيد: مصالح الشعب الفلسطيني وحقه في الاستقلال والسيادة، والعودة، مقابل الاستقرار في المناطق المحتلة، وإلا فإن نيران الانتفاضة والثورة الشعبية الفلسطينية سوف تمتد حتما إلى خارج الحدود، فالتجربة أكدت أن الشعوب العربية، وإلى جانبها شعوب الدول الإسلامية، مازالت تعتبر قضية فلسطين هي قضيتها المقدسة، وهي لن تتوانى عن دعم ثورة شعب فلسطين وانتفاضته إذا ما رست أموره على هذا الخيار.
من كان يتوقع ثورة شعبية في تونس؟ ومن كان يتوقع ثورة شعبية في مصر؟ لذا، إياكم أن تعتقدوا أن الأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة سوف تبقى على ما هي عليه، وبحيث يبقى الاحتلال الرابض على النفوس «احتلال خمس نجوم».







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1721