عدلي صادق : الهدية والرمز من حكايا الهند
التاريخ: الخميس 13 ديسمبر 2012
الموضوع: قضايا وآراء


الهدية والرمز من حكايا الهند
عدلي صادق
على غير موعد، زارني اثنان من الشبان الهنود،


الهدية والرمز من حكايا الهند
عدلي صادق
على غير موعد، زارني اثنان من الشبان الهنود، واحد مسلم والآخر هندوسي، جاءا من إحدى قرى ريف دلهي. قدم الشابان التهنئة بحصول فلسطين على صفة الدولة غير العضو في الأمم المتحدة، وكانت تهنئتهم مرفقة بهدية، هي عبارة عن إطار بديع لصورة أحد أبرز أباطرة المسلمين وسلاطينها الذين حكموا البلاد لنحو ثمانية قرون، وصاحب الصورة، في الحقيقة، هو آخرهم حسب التسلسل الزمني. بل هو الذي كان اعتقاله من قِبل الإنجليز، ومن ثم التنكيل الوحشي به، العلامة الفارقة في تاريخ الاحتلال الإنجليزي للهند وانتهاب خيراتها. فبعد حبسه ونفيه الى "رانكون" في ماينمار (بورما، سابقاً) تحول الوجود البريطاني، ذي الطابع الاقتصادي باسم "شركة الهند الشرقية" الى الصفة الاستعمارية المباشرة، لتصبح تلك البلاد الشاسعة، مستعمرة تابعة لحكومة "التاج البريطاني" بمرسوم ملكي صدر في لندن، في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1858م!
الطريف، في سطور الإهداء، كان وصف بلادنا بـ "جمهورية فلسطين المستقلة" وهذا وصف لم نصل الى مرحلته. غير أن الذكاء في اختيار الصورة، جعلني أتامل المغزى الرمزي فيها، وهو متعدد الدلالات، إذ يقدم الإطار، صورة رجلٍ، تكثفت في سيرته معاني عاش ومات عليها وبها، سلاطين المغول المسلمين، الذين أظهروا جدارة حضارية، وتسامحاً مع الآخرين من الديانات الأخرى، مع إيمان إسلامي عميق، ووطنية عالية، وشكيمة مثيرة للإعجاب، وأنفة نادرة وكبرياء!
صاحب الصورة، محمد بهادر شاه الثاني، آخر أباطرة مغول الهند، حَكَم في ظروف ملتبسة وبالغة التردي، إذ كان الإنجليز، قد استحوذوا على اقتصاد البلاد وأنشأوا ما يشبه الميليشيات التي تحميهم، من شبان البلاد أنفسهم، وحاولوا ذر الرماد في العيون، بالإبقاء على الحُكم الصوري البروتوكولي للسلاطين، توطئة للتمكين. كان المجتمع الهندي يغلي. وذات يوم، اندلعت شرارة الثورة، من معسكرات الجنود، مسلمين وهندوس، والسبب تمادي الضباط الإنجليز في إهانة جنودهم الهنود، ومبالغاتهم في إذلال الشُبان الذين لم يلتحقوا بثكنات الإنجليز إلا من أجل لقمة الخبز. فقد فرض الضباط الإنجليز، على الجنود، أن يفتتوا بأسنانهم، كتل الدهن المستخدم لتشحيم البنادق وحمايتها من الصدأ. كان الشحم خليطاً من دهون الأبقار والخنازير. الأولى محرمّة عند الهندوس، والثانية محرّمة عند المسلمين. هجم الجنود مجتمعين، على ضباطهم، وقتلوهم جميعاً في ثكنة "ميرت" على بعد نحو مئة كيلو متر من دلهي، فانطلقت شرارة الثورة الشعبية، رفضاً للذل الاستعماري، يساندها الجنود. وكان طبيعياً، أن يتسلم السلطان محمد بهادر شاه، زمام القيادة، وقد جاوز الثمانين. وفي الحقيقة، لم يكن الرجل قوياً كأسلافه على صعيد الحرب. فهو شاعر رقيق، مشبع بتسامح إنساني، وزوجته هندوسية، بينما هو مسلم ورِع، ناهيك عن تقدمه في السن. وتداعت الأمور، وتتحققت الغلبة للقوة الإنجليزية المعززة بالعتاد. فقد كانت لشركات النهب الاستعماري جيوش وأنساق عسكرية تحميها. ألقوا القبض عليه، وقتلوا ثلاثة من أحفاد السلطان، أمام عينيه، وأودع الرجل السجن. وفي الليلة الأولى له في محبسه، جاءوا له بالطعام مغطياً بإناء كبير. رفع الغطاء، فوجد رؤوس الأطفال الثلاثة في الإناء. لم ينكسر ولم يجزع. قال للسجانين متسامياً على حزنه مُخفياً دهشته: "إن أولاد تيمور المسلمين البواسل، يولدون هكذا لآبائهم وأمهاتهم، مُحمّرة وجوههم"!
حملوه الى المنفي البعيد، في بلاد أخرى، منفصلاً عن أسرته. ظل حبيساً معزولاً لأربع سنين، يتعبد ويقرض الشعر ويناجي النبي محمد عليه السلام، بعبارات التمني الجميل: كانت أمنيتي أن يكون بيتي بجوارك يا رسول الله في "المدينة المنوّرة"، لكنه أصبح في "رانكون" فظلت الأمنيات، هي الأخرى، حبيسة في صدري. لكم راودني الأمل، في أن أمرّغ عينيّ، في التراب الذي خطوتَ عليه، وأن أشرب من ماء زمزم. ولكن هأنذا أتمرغ في تراب "رانكون" وأحتسي دمعي الدامي، ولم يتبق لي سوى أيام قليلة!
كان يتمنى الحج الى بيت الله. لكن الإنجليز، ضنوا على الرجل بالرحلة الأخيرة، ولم يكن ذنبه، إلا الاستجابة لثورة شعبه، بينما كان قبلها سلطاناً صورياً حبيساً في "القلعة الحمراء" التي ما تزال قائمة كأحد معالم دلهي!
في الهدية والإهداء، وصورة الرمز، تتبدى واحدة من حكايا المستعمرين الطغاة، الذين ولىّ زمنهم في الهند، وما زالت تنوء بهم "جمهورية فلسطين المستقلة". يحرصون على جعل الكرام أذلة، ويريدونهم طراطير في بلدانهم، فيما يظنون، أن التاريخ يستقيم على هذا النحو. هم مخترعو كل سلطة بلا سلطة، وكل لقب بغير حيثيات وبلا سيادة. لكن هؤلاء ذاهبون حتماً. فالشعوب تنتصر، والمستعمرون يندحرون، يلاحقهم خزيهم!
adlishaban@hotmail.com
www.adlisadek.com
 







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=15214