طلال قديح : بيت شعر منقوش في ذاكرتي ، يتحدى النسيان..!!
التاريخ: الأثنين 24 سبتمبر 2012
الموضوع: قضايا وآراء


بيت شعر منقوش في ذاكرتي ، يتحدى النسيان..!!

طلال قديح * لم يبرح ذاكرتي لحظة واحدة ، يردده لساني في كل آن ، لصدق دلالته وعمق تجربة صاحبه..


بيت شعر منقوش في ذاكرتي ، يتحدى النسيان..!!

طلال قديح * لم يبرح ذاكرتي لحظة واحدة ، يردده لساني في كل آن ، لصدق دلالته وعمق تجربة صاحبه.. إنه بيت من الشعر يعكس تجربة واسعة في الحياة ونظرة سديدة وحكمة صادقة صالحة لكل زمان ومكان. أنظر لما يدور حولنا من مستجدات ، وما يموج به العالم من متغيرات، تتسارع بوتيرة غير معهودة ولا مألوفة.. إنها تتعارض مع كل ما عرفناه وقرأنا عنه عبر التاريخ..إنها أمور تحير اللبيب وتشده العاقل الأريب وتدفعه للتخبط فلا يدري وجهة هو موليها..أو طريقاً واضحة يسلكها.. كثرت المصائب واستفحلت النوائب وهبت العواصف لتشعل الفتن والكوارث.. وحيثما نظرت تجد عالماً مضطرباً، هائجا مائجا لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال..أشلاء ودماء..خراب ودمار..أعاصير وزوابع ..فيضانات وزلازل.. تكاد تحرق الأخضر واليابس.. والكل مشغول بنفسه لديه من الهموم ما يكفيه وزيادة..!! لا يلتفت الأخ إلى أخيه ولو استنجد به أو استجار.. ماتت المروءات واندثر أهل النجدات أو كادوا..!! مررت على المروءة وهي تبكي فقلت علام تنتحب الفتاة؟! فقالت كيف لا أبكي؟ وأهلي جميعهم دون خلق الله ماتوا!! حقا لم نعد نسمع في هذا الزمن العجيب عن نماذج لما عهدناه في الآباء والأجداد والأسلاف ممن ملأوا صفحات التاريخ كرما وبطولة ومروءة ووفاء وغيرة وحمية ونجدة وتسابقا للوصول إلى ذرا المجد.. سُجلت أسماؤهم بمداد من نور يظل مشعا على الدوام يضيء للأجيال طريقها نحو التقدم والازدهار. أما في هذا الزمن العجيب فقد رأينا العجب العجاب مما تشيب له نواصي الولدان والشباب ..تغيرت المفاهيم وتبدلت المعايير بشكل غير مسبوق.. واختلفت الأشياء إلى الحد الذي أذهل العقلاء وتاه معه الحكماء.. لم يعد الرجال رجالاً ، ولا النساء نساء، ولا الإخوان إخوانا، ولا الأصدقاء أصدقاء..!! العلاقات تحكمها المصالح وتوجهها الأهواء بعيدا عن الحق والعدل.. وانسحب هذا كله على الدول كبيرها وصغيرها..كل يدعي العظمة والنفوذ اغترارا بما لديه من مال.. أصبح المال هو أنجع الوسائل لفرض السياسة وتبوّء المناصب الحساسة.. قل لي كم رصيدك من المال والعقار أقل لك من أنت..!! بالمال تُشترى الذمم ، ومن أجله تتحارب الأمم.. وهو مفتاح الحرب كما هو مفتاح السلام! ومع هذه المسلّمات التي تصدق في بعض الأوقات وتخدع من تغره الظواهر إلا أن هذا دوامه من المستحيلات فسرعان ما ينقشع الباطل ويعود الحق وهو أحق بالبقاء والخلود.. قال الحكماء: دولة الظلم ساعة ، ودولة الحق إلى قيام الساعة. هذه مقدمة لا بد منها لأصل إلى بيت الشعر المحفور بالذاكرة منذ نصف قرن من الزمان..وهذه قصته: أثناء دراستي الجامعية في بيروت تعودت المرور بالمكتبة في طريقي إلى الجامعة لأطلع على عناوين الصحف التي كانت تصدر بكثرة في ذاك الوقت الذي كانت لبنان تحتضن فيه صفوة المفكرين والأدباء والشعراء والصحفيين ذوي الأسماء اللامعة ممن كنا نتلقف بشوق بالغ ما تجود به قرائحهم وما تخطه أقلامهم.. وكان أصحاب المكتبات من أصحاب الفكر والقلم قبل أن يكونوا تجاراً.. اعتدت أن أمر بمكتبة تقع بمحلة أبي شاكر قرب الملعب البلدي في ضاحية الطريق الجديدة، وكان من عادة صاحب المكتبة أن يكتب حكمة كل يوم على سبورة بخط كبير وواضح تشد الانتباه وتدفع الزائر لقراءتها.. وكنت ممن قرأ هذا البيت، فأعجبت به ورسخ في ذهني حتى إنني لا أنساه أبدا ما حييت. أرى أن هذا البيت يصدق على عالمنا المعاصر ويصوره برؤية ثاقبة وحكمة سديدة.. رحم الله شاعرنا صفي الدين الحلي رحمة واسعة..ولله دره إذ قال بيته الخالد: إن الزرازير لما قام قائمها توهمت أنها صارت شواهينا وشتان بين الزرازير والشواهين.. وهيهات ..هيهات أن تتبدل أو تتغير..!! فكل ميسر لما خلق له.وإن كان لكل جواد كبوة ، ولكل سيف نبوة.. • كاتب ومفكر فلسطيني







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=13689