محمد أحمد عزوز : واقترب الرحيل
التاريخ: الأحد 29 يوليو 2012
الموضوع: قضايا وآراء


واقترب الرحيل

يعلم المتابع للمشهد السياسي أنه لم يثر شعب على نظامه الحاكم إلا نتيجة الظلم والاستبداد، ولم تقم ثورة في التاريخ إلا وكان لها ضحايا من الأبرياء العزل، ولم يعد ثائراً إلى بيته إلا بإحدى الحسنيين،


 واقترب الرحيل

يعلم المتابع للمشهد السياسي أنه لم يثر شعب على نظامه الحاكم إلا نتيجة الظلم والاستبداد، ولم تقم ثورة في التاريخ إلا وكان لها ضحايا من الأبرياء العزل، ولم يعد ثائراً إلى بيته إلا بإحدى الحسنيين، إما مقتولاً أو محققاً مطالبه.
قبل قيام الثورة السورية بأيام قليلة، توجه إليَّ أحد الشباب السوريين بسؤال مفاده: لماذا لم يثر أبناء الشعب السوري؟ أليسوا مقموعين مثلكم؟ أم إنهم يعيشون في رغد من العيش! قلت له: يا أخي، أتمنى من الله أن لا يثور شعبكم، لأنه إذا ثار قابله النظام بأشد أنواع القمع والتنكيل.
قال: الظلم عندنا أكثر من عندكم، وكان لابد لنا أن نثور قبلكم! قلت: أدعو الله أن يحفظ شعبكم الشقيق من الثورة، لأنه إذا ثار فستكون عاقبته وخيمة، لأن نظامكم طائفي ويتشدق بالطائفية، ولن يتنازل عن الحكم بسهولة كما حدث في تونس ومصر، بل إنه سيكون أكثر عنفاً من نظام القذافي، الذي جلب المرتزقة من كل حدب وصوب للقضاء على الثوار، ولولا تدخل حلف الناتو لما انتهت المعركة.
قال: يا أخي الظلم يولِّد الكفر، وعندنا في سوريا الظلم قد بلغ مبلغه، ولابد أن نثور على النظام، الذي يحكمنا بالنار والحديد لنغيره. قلت: الملك لله وحده وهو الذي يمنحه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء. وإذا أراد الله بكم خيراً، أبعده عنكم دون إراقة للدماء.
قال: إذاً، وماذا نفعل؟ أجبته: عليكم بالدعاء، لأنه رأس العبادة، وقد توعد الله المظلوم بالاستجابة، فعليكم بالتضرع إلى الله أن يستبدله بمن هو خير منه دون قيام ثورة.
قال: لماذا لا تحمسنا على الثورة، رغم أنكم جربتم الظلم مثلنا وتعلمون أن نظامنا فاسد بكل ما تحمله الكلمة من معان؟ أجبته: نظامكم لن يتنازل عن السلطة بسهولة، حتى لو وصل به الأمر إلى حرق البلاد على من فيها، وستكون نهايته كالقذافي. قال: يا حفيظ.
بعد أيام قليلة، شاهدت على اليوتيوب مقطعاً لأحد الشباب يدعو فيه إلى ثورة ضد نظام الأسد، فأخبرته عنه، فقال: يا أخي، سوريا تعيش في حالة يرثى لها من الظلم والفساد والاستبداد، فنظامنا فاسد أكثر من نظام تونس ومصر وليبيا واليمن، فلماذا لا نغيره، ألسنا بشراً، ولنا طاقة؟ أجبته: ربنا يسترها على بلدكم الغالي، ويحفظه من كل مكروهٍ وسوء.
منذ اشتعال الثورة، والنظام لم يتوانَ في قمعها بكل ما أوتي من قوة، حتى إنه استخدم لإجهاضها كل أنواع الأسلحة والذخيرة، الخفيفة منها والثقيلة، حتى إنه راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، ناهيك عن الجرحى والمصابين بإصابات بالغة يصعب شفاؤها، غير المعتقلين الذين يتمنون الموت من شدة التعذيب، والمشردين الذين لا يجدون ملاذاً آمناً يحفظهم من بطشه وجبروته.
لأن سوريا ليس فيها بترول، بالكم الذي يشجع الدول الباحثة عن الغنائم، كأعضاء حلف الناتو، وغيرهم من المرتزقة، فلم يتدخل أحد لحماية مواطنيها من القتل على يد النظام الدموي، الذي لم يتوانَ في تدمير البلاد والعباد حتى لو وصل به الأمر إلى إبادة الشعب بكامله، للحفاظ على كرسيه الذي وصل إليه بطريقة غير شرعية.
ليس بخافٍ على أحد أن عدة دول، غنية عن التعريف، تمد النظام السوري بالسلاح وخبراء الحرب، وكل ما يحتاجه من وسائل القمع، وهذا ما جعله يستطيع المقاومة لأكثر من عامٍ ونصف، رغم أن جنوده منهكون إلا أنهم مع استخدامهم للأسلحة الحديثة يحاولون الصمود، قدر استطاعتهم، أمام الثورة التي لم ولن تخمد إلا إذا قضت عليه.
رغم أن النظام يمد بأحدث أنواع الأسلحة، ويعمل بين صفوفه ضباط وجنود وخبراء حرب من عدة دول، إلا أنه لن يستطيع الصمود طويلاً، لأن الثوار استطاعوا توحيد صفوفهم، وساعدهم على ذلك كثرة الانشقاقات التي زادت عن حدها، خاصة في الأيام الأخيرة، ما يعني أن أكثر العاملين معه مكرهون، وغير راضين عنه، وهذا ينبئ بقرب رحيله.
أسأل الله تعالى أن يحفظ سوريا وشعبها، وأن يكتب لثوارها النجاح والفلاح والصلاح، وأن يغير حالهم بأفضل منه، وأن ينصرهم على عدوهم.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كاتب وناشط سياسي مصري






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=12657