عدلي صادق : حلقة جديدة من حكاية مروان
التاريخ: الأحد 22 أبريل 2012
الموضوع: قضايا وآراء



حلقة جديدة من حكاية مروان
عدلي صادق
فيما الحركة الأسيرة، وقاعدتها الاجتماعية في الوطن،



حلقة جديدة من حكاية مروان
عدلي صادق
فيما الحركة الأسيرة، وقاعدتها الاجتماعية في الوطن، منشغلتان في معركة الحق والكرامة والإرادة؛ خرجت علينا صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، التي لا تنطق الهوى، بتقرير قالت إنه مستقطعٌ من "مذكرات" محقق يُدعى موفاز، يتناول ما يُفترض أنه فحوى وسياق استجوب الأسير القائد مروان البرغوثي، بعد اختطافه. وسرعان ما بدا أن هذا التقرير، يهدف في توقيته، وفي حيثياته، الى اصطياد مجموعة عصافير بحجر واحد. فمن يطالع النص، ممن يعرفون طبائع محققي المخابرات الإسرائيلية، ليس له إلا أن يخرج بانطباع مناقض للهدف من النشر أصلاً، وهو أن الأسير مروان، كان يتحدث مع محققيه كقائد حدد أهدافه وحسم أمره، فلا  تهزه اللحظة العسيرة، ولا تحرفه هذه اللحظة، عن محاولة إقناع المحققين، بوجهاتها ومنطقيتها: نحن نخوض الحرب من أجل السلام. خيارنا، وأبو عمار على رأسنا، هو أن نقاتل على الأرض الفلسطينية التي رسمتها خارطة التسوية. أما العمليات العسكرية ضد الاحتلال، فهي مُنشئة التوازن بين طرفي الصراع. ويقول ما معناه، إن التسوية مع مصر، التي أبرمها الرئيس الراحل أنور السادات، لم تكن سترى النور، لو أن حرب 73 لم تندلع!
ولو احتكمنا الى النص نفسه، الذي أريد منه التشويه، لوجدنا أن مروان البرغوثي، كان رابط الجأش، متوازناً لا يبتذل ولا يتصاغر، مثلما هم القادة الجديرون بأدوارهم. يُبدي اعتزازه بالرئيس ياسر عرفات، ويتحدث بثقة وفخر، عن ظهوره الدائم على شاشات التلفزة. ويحدد المسار الموصل الى التهدئة. وفي التقرير، تؤخذ الإشارات المقتضبة عن واجبات إيصال مبالغ زهيدة، من الشهيد ياسر عرفات الى الشباب؛ وكأنها اعترافات بوقائع كبرى تدينه مع الرئيس عرفات، بمباشرة أعمال تسببت في مقتل إسرائيليين. وبينما كان المحققون يضغطون، لكي ينتزعوا منه إدانة للزعيم ياسر عرفات، الذي كانت التسوية خياره الاستراتيجي، في حين أن الخيار الاستراتيجي للمحققين وقيادتهم، هو الإنقلاب على التسوية؛ كان مروان مستعصياً على الأسئلة. فالرجل يتحدث للمحققين، عن زعيم لا يأمر صراحة بالعنف وبالتالي لا يُدان. ويكتفي المحققون من حديث مروان، عن صمت أبي عمار وإشاراته المقتضبة، حول مسائل تتعلق بكيفية التصرف؛ فيجعلونها إيحاءات رويت لهم عن الرئيس ياسر عرفات، وأنها تُدينه!
هذا المستقطع من "المذكرات" السخيفة، يُنشر الآن، لتطيير مجموعة رسائل في لحظة فارقة: واحدة لذوي الأسرى والجماهير المتضامنة معهم. فالأجدر، في هذا الخضم ـ حسب ما يريد المحتلون ـ أن ينشغل الجمهور الفلسطيني عن هذه الحال الثورية، المقاومة سلماً، بالمفاضلة بين احتمالين للإجابة عن سؤال محدد: هل سلم مروان دفاتره؟ في الوقت نفسه، يريدون قتل الرمز ـ أي رمز ـ كلما تشكّل. فجريدة "هآرتس" وشقيقاتها اللاتي لا ينطقن عن الهوى، تتغابى فتكسر متعمدة قاعدة التكتم على المسائل الأمنية، بما فيها وقائع الهمالة والعمالة؛ وتلفق "تسريبات" عن جلسات وأقوال لبعض القيادات، ومنهم الرئيس محمود عباس نفسه، دون أن يكون لهذه الأقوال علاقة لها بالواقع. الهدف عندئذٍ، هو ضرب الشيئين بالتزامن: السياسة والمقاومة. فهؤلاء المحتلون، معنّيون بضرب المقاومة مثلما هم لا يحتملون الطرف الذي أقنع العالم، بأنه جدير بالشراكة في عملية الوصول الى تسوية متوازنة. الطرفان خطيران في حسابات العقلية العنصرية، التي لن ترضى بأقل من إبادتنا سياسياً وعسكرياً.
في واقعنا، هناك ـ للأسف ـ شيء من التصحر السياسي الداخلي، بينما القضية الفلسطينية تمثل مروجاً آسرة للقلوب. تصحرنا الداخلي جعل الإجتماع السياسي الفلسطيني، لا يفتح الطريق لتشكّل الرموز الكُثر، المؤهلين للقيادة والجاهزين عند الاقتضاء. وحده مروان، حظي بإجماع معتبر، لأسباب عدة. فالرجل كان بمقدوره اختيار النجاة، دون أن ينقصه شىء، أو أن يعيب عليه أحد شيئاً، مثله مثل غيره. لكنه امتطى صهوة التحدي وتصّدر. ثم وقعت عليه مظلومية من صحرائنا، حتى أن همسات بعض الصحراويين المتصحرين؛ جعلت تميّزه الميداني تلميعاً له. فقد تألمت ذات يوم، عندما سألني صحفي مصري من "روز اليوسف" عن حكاية التلميع. والغريب، أن مقولة التلميع، ظلت ماكثة على الشفاه الرميمة، حتى بعد أن أوشكت السنة الأولى سجن، على الانقضاء. ولم تتوارى تلك الثرثرات تماماً، مهزومة بلا خجل، إلا عندما نطق قاضي المحكمة العسكرية، بالحكم على مروان البرغوثي بمجموعة المؤبدات.
في تقرير "المذكرات" يسعى المحتلون الى تكريس نقيض التلميع، وهو التعتيم وصدأ أقفال السجن، الذي يقبع فيه مروان، لكي يصل التظليم الى مداه. يريدون الانتقام من رجل له قيمته الرمزية العالية، لكي يجهزوا عليه، فضلاً عن إرباك الوجدان الشعبي الفلسطيني، في لحظة المساندة اللافتة للأسرى في معركتهم. لكن النص الذي أرادوا من خلاله، إظلام صورة اللامع في وجدان شعبه؛ جاء ركيكاً تافها، لا يدل إلا على أن مروان، يستحق مكانته، في قلوب الفلسطينيين!
www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com    







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=10570