|

قنوات المسابقات.. لتنشيط العقول أم لتغييبها..؟!
تقرير – أميمه العبادلة :
د. عيسى:" شوهت
صورة الإعلام.. واستغلت أحلام البسطاء "
د. أبو زرقة:"
لا يتابعها سوى صغار السن.. والعقول "
أ. إبراهيم:"
ليست حراما لأنها ميسر.. بل هناك خطر أدهى "
"هااي.. ألو ألو..
ألو مرحباا.. كيفكن..؟!! شو هو الشي اللي إلو أربع رجلين ومش عم يمشي.. وبنقعد
عليه.. اعرفوه واربحو معانا 5000$ كااش.. ياللا لحقو حالكن قبل ما تطير الفرصة..
يااي..".. وتطير الفرصة يا حرام.. ويطير معها الكرت والفاتورة.. أموال مهدورة..
وأوقات مسروقة.. لصالح قناة عتادها غرفة في شقة مفروشة أو تمليك، وكاميرا، وخلفية
زرقاء اللون، وجهاز سيرفر للبث، مع جهاز كمبيوتر، وفتاة "رخيصة" بمؤهلات
"غ/عالية".. قادرة على التسلل للقلوب المريضة.. شعارها " كثف اتصالاتك لتزيد فرصتك
للربح معنا ".. وفي النهاية يقع المشاهد العربي في شرك قناة مسابقات.. تتسابق وإياه
في إفلاس جيبه.. ووقته.. وعقله.. ومعلوماته..
لعب على أوتار حساسة
يقول - د. طلعت
عيسى – الدكتور في قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة:" أن قنوات
المسابقات تتبع وسائل الإعلام كشكل عام، إلا أن رسالتها ربحية بحته، وهي خبيثة
المضمون، والدافع من ورائها كسب غير مشروع من خلال الضحك على عقول البسطاء.
بالاضافة أنها شوهت الإعلام ودور المذيعة فبات دورها مقتصرا على الإغراء
والإثارة..". موضحا أن مثل هذه القنوات لا تحتاج أي تراخيص لإنشائها. حيث يمكنها
البث على أي قمر فضائي، لأنها لا تتبع لدول معينه..
وحول سبب تقليدنا
الأعمى لكل ما هب ودب من الغرب دون ايلاء الاهتمام إذا كان الموضوع يتناسب مع
مجتمعنا أو لا يشرح – د. عيسى – أن السبب أن القائمين على مثل هذه قنوات ينشدون
الربح، ومتى ما وجدوا فكرة ناجحة ومضمونة المكسب قلدوها. وأيضا بسبب إفلاس عقولنا
واقتصارها على ثقافة التقليد وفقط.. " ففكرة برامج المسابقات ليست جديدة، وإنما
فكرة إنشاء قناة خاصة بها هو الجديد في عالمنا العربي.. لعبوا من خلالها على وتر
أحلام الفقراء من جانب، وإثارة الغرائز من جانب آخر".
المال السايب بيعلم الـ..!
( سهام 26 عاما )
تروي لنا بملامح يملؤها الضيق:" أخي المراهق يهدر ماله كله على تعبئة كروت شحن
لهاتفه الجوال ليتصل ويحل الألغاز ويفوز إحدى الجوائز المغرية المعلن عنها على مدار
الساعة.. أبي يرفض أن يعطيه المال وخوفا عليه من أن يفعل تصرفا غير لائق.. لأعطيه
المال دون علم والدي.. ورغم أنني أحاول جاهدة إثناءه وتوجيهه أن الأمر مجرد نصب ولا
أحد يفوز.. إلا انه لا يكترث ويقول لي إن لم تعطيني المال سأجلبه بطريقتي ويمكنني
متابعة القناة من خارج المنزل.. سئمت نصحي له وعناده ولست ادري كيف الخلاص من هذا
المأزق..؟! ".
صدمة..!
يقول ( أبو عمر 45
عاما ):" سمعت صوتا متكسرا متغنجا ينبعث من جهة غرفة ابنتي إيمان.. لوهلة ظننت أنها
نقلت التلفاز لغرفتها.. لكن ما حبس أنفاسي أنني عندما فتحت الباب.. وجدتها تقف أمام
المرآة.. وتغير طبقة صوتها.. وتتكسر.. وتتغنج.. تماما كمقدمات برامج المسابقات".
ويكمل:" لقد هالني حقا أنها منجذبة لهن وتقلدهن.. يعني أنها تعتبرهن مثالا وقدوة..
هذا فعلا أمر سيء.. مع أنها لم تتجاوز الثالثة عشر من عمرها.. إلا أنني أخشى أن
تنهج هذا الأسلوب في حياتها وتعاملاتها مع الآخرين".
لا يشبهوننا..
( أم محمد ) وضحت
لنا أنها تحاول جاهدة متابعة بناتها الصغار وتقويمهن من خلال بيان الحلال والحرام
وتوضيح أن من يحيد عن ما احل الله فله عذاب اليم.. وتقول:" دائما أصور لهن أن
الفتاة الجميلة العفيفة كالدرة المكنونة لا يراها ولا يمسها احد وإلا خدشها فراح
بريقها وقلت قيمتها.. كنت أشاهد بنات إخوتي وهن يقلدن فتيات الإعلانات والمسابقات..
فخفت على بناتي أن يتخذن مما هب ودب في الفضائيات قدوة.. فارتأيت أن أوجههن أولا
بأول.. ".
سخيفة..!
يرى الاستشاري
النفسي - د. نمر أبو زرقة – أن هذه القنوات في مجملها قنوات مدسوسة. فهي كما
يصفها:"سخيفة، والأسئلة المطروحة من السهولة بحيث يستطيع أي طفل ساذج أن يجيب
عليها".. مشيرا أنه من الواضح أن الهدف من ورائها ما هو إلا إفساد الشباب وشدهم
باتجاه أمور دنيوية فاضحة من خلال تزييغ الإعلام عن دوره الحقيقي في نقل رسالة
بمضمون هادف للجمهور والتركيز على الجذب من خلال مقدمة برامج بلباس فاضح وأسلوب
تقديم مبتذل ومغري للمراهقين خصوصا من صغار السن أو من ذوي العقول الصغيرة.. وهي
بذلك لا تتعدى كونها ربحية خالصة..
ليست للمثقفين..
ويقول – د. أبو
زرقة:" لا اعتقد أن مثقفا أو متعلما قد يتابع مثل هكذا قنوات رخيصة المضمون،
والهدف، وأسلوب العرض ". غير مستبعد فكرة أن تكون هذه القنوات مدعومة، ومدفوعة، من
جهات متخصصة هدفها إفساد وتغريب المجتمع. إلا انه مازال يرى أننا مازلنا مجتمعا
محافظا نسبيا ومازلنا ملتزمين بالعادات، والتقاليد، والدين..
وينبه – د. أبو
زرقة – على الخطر الكامن خلف هذه القنوات التي تجر المراهقين من الفتيات وتدفعهن
لتقليد المذيعة، وطريقة كلامها، وأسلوب لباسها، وحركاته.. بالإضافة لإضاعة الوقت
فيما لا يفيد.. مؤكدا على وصفها بأنها خطوة خطيرة لنشر ثقافة جديدة تدعو للحرية
الفاضحة لا السوية والسليمة بهدف تغيير المعتقدات والقيم..
كبت..!
وعن سبب انجرارنا
وراء مثل هذه الأمور يفسر– د. أبو زرقة – بأن السبب وراء ذلك معاناتنا من كبت جنسي
لا يعاني منه الغرب. حيث إن الإباحية متوفرة موفرة ووصلوا لحالة تشبع منها.
بالإضافة لأن الطبيعة البشرية ترى أن كل ممنوع مرغوب. وأن مثل هذه الثقافات غير
موجود في عالمنا العربي، لذلك فإنها تثير الشباب والمراهقين خصوصا.. مشددا أنه لا
بد من أن نفهم أبنائنا وبناتنا أن مثل هذه القنوات هدامة لا بناءة، وأن هدفها إفساد
المجتمع، وانحلاله، وأن القائمين عليها أناس غير غيورين على مصالح الأمة وصلاحها
وتطورها.
لست أريد إلا هن..!
( عمر 30 عاما )
خير مثال على شرح – د. أبو زرقة – فهو شاب غير متعلم، عاطل عن العمل.. وشح المال
منعه من الزواج.. فلم يجد من متنفس لتضييع وقت فراغه سوى متابعة مثل هكذا قنوات
رخيصة المضمون، والعرض.. " عمر لا يتصل فهو لا يمتلك المال الكافي.. لكنه يتابعها
بشغف واستمتاع.. ويقول انه لن يتزوج إلا بفتاة تشبههن..".. هذا ما وشى به لنا أحد
أصدقائه..
ليست مجرد "ميسر"..!
يؤكد أ. تيسير
إبراهيم – الأستاذ بقسم الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة – على أهمية
التطرق لهذا الموضوع تحديدا والخروج من مجرد مناقشة الأمر فقهيا كونه حلالا أو
حراما وهل هو يصنف ضمن قائمة الميسر ( القمار ) وفقط.. بل يرى أن الأمر يتعداه إلى
جنوح الإعلام ورسالته التي يفترض بها أن تحوي مضامين تهم المسلمين وهمومهم، إلى بدس
رسائل مسمومة بهدف تدمير القيم ونشر الرذيلة في المجتمع..
ويشير – أ. إبراهيم
– أن الأصل في الترفيه في الإسلام أن يكون ملتزما، ضمن ضوابط الشريعة الإسلامية، لا
أن تكون المذيعة امرأة متبرجة بشكل لافت، متكسرة الوقوف، خاضعة القول، لينة الجانب،
وبلباس يكشف أكثر مما يستر.
قل لي من تصاحب..!
وبدليل حي من
الواقع فـ ( فاطمة 20 عاما) زوجة مفجوعة بنقص عقل زوجها الذي يبدو أنه لا يدرك
حقيقة حجم مسؤولياته تجاهها وتجاه طفلهما القادم للحياة بعد أشهر.. تخبرنا أن زوجها
وأصدقائه يسهرون يوميا في المساء ويتابعون بشغف القنوات الفضائية ويركزن على قنوات
المسابقات تحديدا.. وتضيف:" أسمعهم يتلفظون بألفاظ بذيئة في وصفهم لمقدمة
البرنامج.. ويحاولون مرارا الاتصال على القناة دون جدوى.. فعلا الوضع مزعج.. وزوجي
لا يولي لي بالا.. بل ويطالبني أن أتعلم منهن كيف أتحدث معه ومع أصدقائه، وكيف
أتكسر، وأجيب على الهاتف.. ويصر على وصفي بالغبية والمتخلفة.. والأدهى انه عنيد
وعصبي أي انه لا ينفع معه نصح ولا حوار.. ". وهذا ما يشير له – أ. إبراهيم بقوله:
فتنة.. فلا تكفر..!!
ويقول – أ.
إبراهيم:" أن القائمين والمقدمين لم يكتفوا بفعل الشر.. بل تعدوه ليدلوا الناس على
هذا الشر ويعلموهم إياه.. والذنب هنا أعظم.. فهو ميسر، ثم أنها أسئلة فارغة المضمون
والقيمة، ولا يوجد أدنى شك في كونها حراما في مخالفة العارضة الضوابط الشرعية..
إضافة أن الربح الذي تكسبه القناة يفوق قيمة الجائزة أضعاف الأضعاف.. ولا شك كون
المسابقة حراما، فهي إما أن تكون بمال مقابل مال، أو مال ضائع فيما لا يفيد، ولقد
نهانا الله سبحانه وتعالى عن إهدار المال وإتلافه ".
ويؤكد – أ. إبراهيم
– أن سبب المتابعة خواء وفراغ روحي، وخلل في التربية، وقلة وعي والتزام ديني..
منوها أن تأثيرها بطيء المفعول كسم يسري في العقول.. فإنها على المدى القريب ستؤثر
على التكوين الثقافي لدى مجتمعنا ليستمرئ العري ويستبيحه.. وما هي إلا تكرار وتقليد
للنموذج الغربي في الابتذال والإغراء..
ومازلنا في محرقة
نتقلب على الجمر.. لنستسلم لأفعى ناعمة الصوت.. تدخل بيوتنا متراقصة بتموج.. على
أوتار غربية المنبع.. شرقية الهدف.. لتهدم أصول لغة.. وتشوه عراقة مهنة.. وتشتت
تدينا وعادات وقيم.. عند صغار السن.. وضعاف النفوس.. ومن غير المعقول أن يكون
المشاهد قد غيب عقله لدرجة أن لا يعرف أن المدينة التي فرشها احمر، وأسوارها خضراء،
وسكانها سود، ومفتاحها من حديد............... بطيخة..
|