نشرة دورية تعني بالترجمة عن الصحف والمجلات العالمية

نشرة مترجمة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر التوجيه السياسي

تصدر عن هيئة التوجيه السياسي والوطني

ياسر عرفات الذي عرفت

عبد الباري عطوان

 

هذه  مساهمة أردت أن اسجلها في هذه المناسبة وعن رجل عزيز على قلبي .....

 

قبل ثلاثة أسابيع عرض التلفزيون البريطاني "بي.بي.سي" ثلاث حلقات عن الصراع العربي الاسرائيلي، تركزت بشكل أساسي على عملية السلام، ومفاوضات كامب ديفيد التي جرت في صيف عام الالفين برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

انا هنا لست بصدد مناقشة هذه الحلقات من حيث الموضوعية العلمية أو الإنحياز، وإنما مناقشة ظاهرة أساسية وهي حجم الضغوط التي مورست مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من الجانبين الأمريكي والاسرائيلي، بل ومن بعض أعضاء الوفد الفلسطيني نفسه، للقبول بتسوية لا تحقق طموحات الشعب الفلسطيني.

فالأمريكي الوحيد غير اليهودي في الوفد الأمريكي كان الرئيس كلينتون نفسه، أما جميع المستشارين فكانوا من المتعاطفين مع الدولة العبرية، من ساندي بيرغر مستشار الامن القومي، إلى مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية، وصولاً إلى دينيس روس المبعوث الخاص لشؤون الشرق الأوسط.

اسبوعان كاملان من الضغوط فشلت في ارهاب الرئيس عرفات، ودفعه إلى التفريط بالقدس المحتلة، أو حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وظل صامداً كالجبل رغم انه كان يقف دون سند عربي، أو دعم دولي.

قطعوا عنه خطوط الهاتف، ومنعوه من أي اتصال خارجي، واعاشوه في عزلة تامة حتى ينفردوا به، ويستخلصون ما يريدونه من تنازلات، واستراتيجيتهم كانت تقوم على اطالة مدة التفاوض حتى ينهار في النهاية، مثلما حدث مع الرئيس المصري الراحل انور السادات.

واكشف هنا، وللمرة الأولى، ان الرئيس عرفات أوفد الي مبعوثاً إلى لندن، عندما توقفت المفاوضات بسبب سفر الرئيس كلينتون إلى اليابان لحضور قمة الدول الصناعية، ووضع امامي تفاصيل المؤامرة، وسمى اسماء أعضاء الوفد الفلسطيني الذين كانوا يضغطون من اجل التنازل عن القدس وحق العودة، والاعضاء الآخرين الصامدين المعارضين، لاطلاع الرأي العام الفلسطيني قبل العربي على الحقائق، وقمت بنشر كافة التفاصيل في حينها.

واكشف سراً آخر، وهو انه ادرك ان طلبات الإصلاح الأمني التي حملها اليه اللواء عمر سليمان رئيس هيئة المخابرات المصرية العامة، هي بداية النهاية بالنسبة اليه، وطلب من احد مساعديه ان يتصل بي هاتفياً، ويبلغني أن هناك ثلاثة سيناريوهات حملها اليه المبعوث المصري.

الأول اسرائيلي يريد قتله، والثاني امريكي يقترح ابعاده، والثالث مصري يريد انقاذه شريطة تنفيذ "الإصلاحات" أي دمج الاجهزة  الأمنية، وفصل تسعين من قادتها، والتخلي عن جميع صلاحياته الأمنية والسياسية لرئيس الوزراء، وإلا فان الحماية المصرية سترفع عنه.

الرئيس عرفات كان يملك بوصلة واحدة تؤشر دائماً إلى القدس المحتلة، ولا يرى دولة فلسطينية دون أن تكون عاصمة لها، ولا أبالغ اذا قلت ان مشكلة تمسكه بالقدس راجع إلى رغبته في ابقاء الصراع لأطول فترة ممكنة، وتجنب تقديم تنازلات كبرى عن فلسطين التاريخية، لانه يعرف جيداً ان تنازلات الاسرائيليين عن القدس هو نهاية دولتهم وشرعيتها السياسية والدينية.

لم يكن مقتنعاً مطلقاً باتفاقات اوسلو ولكنه اجبر على قبولها، وتوظيفها لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني، وقد اختلفت معه حول هذه الاتفاقات، ولم يغضب أبداً، عندما رفضت العودة واصدار "القدس العربي" من اراضي السلطة  وقال لي في شهر يوليو (تموز) عام 1994، " اعرف انك غير مقتنع بهذه الاتفاقيات، وما يعجبني فيك صراحتك وثباتك على الموقف، لكن أقول لك شيء واحد لا تذكره لاحد إلا  بعد وفاتي، وهو أنني سأقلب الطاولة عليهم، وسيأتي يوم، ليس في زمني انا، وإنما في زمنك لانك اصغر مني، ترى فيه الاسرائيليين يهربون من فلسطين .. فالشعب الفلسطيني جبار فعلاً" وختم كلامه بالآية القرآنية الكريمة "يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين"

وعلى ذكر القدس أيضا، كشف لي السيد فريح أبو مدين وزير العدل الفلسطيني السابق، واقعة ما زالت معشعشة في ذاكرتي، ملخصها انه بعد انهيار اتفاقات كامب ديفيد وبسبب القدس أيضا، وصل في زيارة عاجلة السيد اسماعيل جيم وزير خارجية تركيا، وطلب ان يراه على انفراد في مقره في غزة، ولان الرئيس عرفات يملك حاسة استشعارية غير عادية، طلب من السيد أبو مدين ان يحضر كمترجم رغم ان السيد أبو مدين لا يعرف التركية، ولغته الانكليزية ليست افضل كثيراً من لغة عرفات، فقد كانت الحكمة من وجوده ان يكون شاهداً على التاريخ.

اسماعيل جيم قال انه يحمل اقتراحاً مدعوماً من امريكا والسوق الأوروبية، والقبول به يعني قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس فوراً، واغراقها بعشرات المليارت وتحويلها إلى  جنة رخاء.

الاقتراح يتلخص بقيام كنيس (معبد) يهودي على مساحة الف متر مربع في باحة الحرم القدسي الشريف، يكون بمثاب الحل لاسطورة هيكل سليمان، وقال للرئيس عرفات انه ليس شرطاً ان يرفع عليه علم اسرائيل، ويمكن رفع أي علم آخر اممي أو اوروبي أو امريكي المهم ان يقام هذا المعبد.

الرئيس عرفات كان مثل الهرم، يستمع بانصات عال، وبعد ان فرغ السيد جيم قال له " انا قابل للاقتراح، فانشرحت أسارير الوزير التركي، ولكنه اضاف :" ولكن بشرط ان تعرض هذا الاقتراح على الشعب التركي، فاذا وافق عليه، سأوافق فوراً بدوري".

الوزير التركي امتقع وجهه، واكفهر، وقال للرئيس عرفات، ارجوك ان تنسى الموضوع، لقد سحبت الإقتراح، وغادر فوراً إلى طائرته التي تنتظر في مطار رفح، ومنها إلى انقرة.

لم ارد ان اكتب كلمات انشائية، تعظم الرئيس الراحل، وإنما اردت ان اعبر عن صموده وصلابته وتمسكه بالثوابت ببعض الامثلة التي كنت شاهداً عليها، واتركها وديعة للاجيال الحالية والمقبلة.

اختلفت مع الراحل الشهيد مرات كثيرة، وغضب علي كثيراً، ولكنه كان يدرك انني اقف معه في كل معاركه حفاظاً على الثوابت، ولم اتردد مطلقاً في مصارحته بآرائي المختلفة.

عندما كان يغضب من بعض المقالات التي كنت انتقد فيها السلطة وبعض مظاهر الفساد فيها، كان يطلب من احد الاصدقاء المشتركين الحديث  إلي، حتى لا ينفعل ويقول شيئاً يمكن ان يؤدي إلى قطع شعرة معاوية بيننا، ولم يحدث مطلقاً ان تفوه بكلمة جارحة تجاهي.

كان رهاننا الأبدي هو على وطنية عرفات، وحرصه على ان يموت شهيداً وليس خائناً، ولم يخيب ظننا أبداً.